الرئيسية / الأخبار / ​بأكاليل القرآن.. براءة “كلبيو” تستسقي السماء لرفع بؤس الجفاف

​بأكاليل القرآن.. براءة “كلبيو” تستسقي السماء لرفع بؤس الجفاف

كيسمايو — في مشهدٍ إيمانيٍ مهيب يفيض بالروحانية والالتجاء إلى الخالق، وبقلوبٍ غضة يملؤها اليقين، تجلت براءة الطفولة في أبهى صورها حين انقطعت السبل؛ حيث تحولت ساحات منطقة “كلبيو” إلى منبرٍ للتضرع الجماعي، تتوجه فيه الأبصار نحو السماء طلباً للغيث، وإعلاناً لصلابة الإرادة الإنسانية في مواجهة قسوة المناخ ومرارة الجفاف.

​شهدت منطقة “كلبيو” بمحافظة جوبا السفلى في ولاية جوبالاند، مسيرة إيمانية حاشدة نظمها طلاب مدارس القرآن الكريم (الكتاتيب)، حيث انخرط المئات من الأطفال في تظاهرة دينية مهيبة للاستسقاء والدعاء الجماعي، تضرعاً للمولى القدير بنزول الغيث ورفع المعاناة عن العباد والبلاد التي أضناها الجفاف.

​ورسم الصغار لوحة وجدانية بالغة التأثير وهم يجوبون الطرقات الترابية حاملين “ألواح القرآن” الخشبية فوق رؤوسهم، في تقليدٍ دينيٍ عريق يستحضر أسمى معاني الانكسار والرجاء، وسط أجواء سادها الخشوع المطلق في انتظار رحمةٍ سماوية تروي الأرض الظامئة وتعيد الحياة للمراعي القاحلة.

وتأتي هذه المبادرة في ظل ظروف مناخية استثنائية تعصف بمحافظات ولاية جوبالاند خلال عام 2026، حيث أدى احتباس الأمطار إلى تآكل سبل العيش وتفاقم الأزمات المعيشية، لاسيما لدى مجتمعات الرعاة والمزارعين الذين باتوا يواجهون تحديات وجودية تهدد استقرارهم المجتمعي.

وتضمنت الفعالية حلقات ذكر كبرى، تعالت فيها أصوات الأطفال بتلاوات عطرة وابتهالات هزت أركان المنطقة، سائلين الله أن يرفع البأس وينزل غيثه على الأرض الهامدة والبهائم العطشى، في مشهدٍ جسّد أسمى قيم التكافل الروحي والمشاركة الوجدانية مع المجتمع في محنته.

​وأشرف على هذا المشهد الروحاني نخبة من شيوخ ومعلمي الكتاتيب، الذين تقدموا المسيرة بوقارهم التقليدي، موجهين الصغار نحو آداب الاستسقاء، ومؤكدين على أن الإيمان والصبر هما الدرع الأول في مواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات المصيرية التي تمر بها البلاد.

​وأوضح المنظمون أن إشراك هؤلاء الفتية في مسيرات الاستسقاء يهدف إلى غرس قيم التوكل المطلق في نفوس الناشئة، وتعزيز مفهوم المسؤولية الجماعية، وتحويل المعاناة الناتجة عن الجفاف إلى طاقة إيمانية تبعث الأمل وتشد من أزر المتضررين.

وتعد هذه الممارسة إرثاً ثقافياً ودينياً أصيلاً في الوجدان الصومالي، حيث يُنظر إلى دعاء الأطفال وتلاوتهم للقرآن كقوة روحية قادرة على استدرار رحمات السماء، وإحياءً لسنن نبوية عريقة تُقام حين تشتد الكروب ويجف الضرع والزرع.

وقد أحدثت المسيرة صدىً واسعاً في نفوس السكان، حيث تلاحمت أصوات الأهالي مع الأطفال في دعاءٍ موحد، يعكس قوة النسيج الاجتماعي والروحي الذي يربط أبناء الصومال، ويحول المأساة البيئية إلى قصة صمود إنسانية ملهمة تحت راية الإيمان.

​وتقف هذه المشاهد كشاهدٍ حيٍ على نبل المجتمع الصومالي وقدرته على استحضار موروثه القيمي لمواجهة الأزمات، بقلوبٍ خاشعة تتطلع نحو الأفق، بانتظار سحب الرحمة التي تعيد النماء للأرض والأمل للنفوس التي أتعبها طول الانتظار.

تظلُّ هذه المبادرات الروحية صمام أمانٍ وجداني ومجتمعي في مناطق الأزمات، حيث يمثل الالتجاء إلى القيم الإيمانية جسراً للعبور من اليأس إلى الرجاء، ويحول المعاناة الإنسانية إلى طاقة من الصبر الجماعي الذي يحفظ الكرامة ويصون الروابط المقدسة بين الإنسان وأرضه.

عن محرر الشبكة

شاهد أيضاً

الصومال وسويسرا تبحثان تعزيز آفاق حماية حقوق الإنسان

مقديشـو — في إطار جهودها الدؤوبة لتوطيد ركائز العدالة وترسيخ سيادة القانون، شهدت الصومال حراكاً دبلوماسياً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *