مقديشـو — في خطوة استراتيجية تعكس التزام الدولة الصومالية بترسيخ قيم القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، شهدت العاصمة مقديشو حراكاً مؤسسياً رفيع المستوى يهدف إلى صياغة عقد جديد من الحماية والمسؤولية تجاه المواطنين في مناطق النزاع.
وأدار سعادة عبد الفتاح عبد القادر فارح، الأمين الدائم لوزارة الدفاع، اجتماعاً تشاورياً موسعاً أمس كُرس لمناقشة واعتماد “السياسة الوطنية لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة”، إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة من العمل الأمني المسؤول.
وأوردت وكالة الأنباء الوطنية الصومالية (صـونا) أن الاجتماع استهدف وضع إطار عمل منهجي يضمن تحويل الالتزامات النظرية إلى ممارسات ميدانية، تكفل سلامة الأشخاص غير المسلحين وتحدد بروتوكولات التعامل العسكري في المناطق المأهولة.
وشهد اللقاء تداولاً عميقاً حول سبل تعزيز الآليات الرقابية والوقائية، بما يضمن مواءمة السياسات الدفاعية الوطنية مع المعايير الدولية، وتوفير أقصى درجات الحماية للمدنيين كأولوية قصوى في العقيدة الأمنية الجديدة.
وركز المشاركون، بحسب ما نقلته وكالة (صـونا)، على ضرورة تنفيذ العمليات الأمنية وفق مبادئ الشفافية والمساءلة، لضمان تقليل المخاطر الجانبية وتعزيز الثقة المتبادلة بين المؤسسة العسكرية والحاضنة الشعبية.
وأكد سعادة الأمين الدائم لوزارة الدفاع أن صياغة هذه السياسة لم تكن عملاً معزولاً، بل نتاج رؤية وطنية تدرك أن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بصيانة كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية تحت كافة الظروف.
وأشار سعادته إلى أن نجاح تطبيق هذه السياسة يتطلب تنسيقاً وثيقاً وتكاملاً حيوياً بين مختلف أجهزة الدولة الأمنية والمدنية، لضمان انتقال سلس من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعال على أرض الواقع.
وشارك في أعمال الاجتماع ممثلون رفيعو المستوى من وزارات الأمن الداخلي، والشؤون الداخلية، والعدل، بالإضافة إلى قيادات ميدانية من الجيش الوطني وقوات الشرطة الصومالية، لضمان شمولية الرؤية وتعدد الأبعاد.
كما شهد اللقاء حضوراً فاعلاً لوكالة إدارة الكوارث، والهيئة الوطنية لشؤون اللاجئين، ومكتب المبعوث الخاص لرئيس الجمهورية لحماية المدنيين، مما يضفي طابعاً إنسانياً وتنموياً على السياسة الأمنية المقرة.
واستعرض المجتمعون نماذج دولية ناجحة في إدارة النزاعات وحماية السكان، مع العمل على تكييفها بما يتوافق مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية والواقع الأمني الذي تمر به الجمهورية الصومالية.
وخلص الاجتماع إلى ضرورة إدماج بنود هذه السياسة في المناهج التدريبية للقوات المسلحة، وتكثيف حملات التوعية لضمان التزام كافة الوحدات الميدانية بالمعايير الأخلاقية والقانونية المعتمدة.
وتأتي هذه الخطوة لتعزز مكانة الصومال كدولة تسعى لاستعادة كامل سيادتها واستقرارها وفق أسس حداثية، توازن بين مقتضيات الحسم في مكافحة الإرهاب والالتزام الأخلاقي بحماية الأرواح والممتلكات.
يمثل اعتماد هذه السياسة الوطنية تحولاً جوهرياً في مسار بناء الدولة الصومالية؛ إذ إن مأسسة حماية المدنيين لا تقتصر على البعد الإنساني فحسب، بل تعد أداة استراتيجية لنزع الشرعية عن الجماعات المسلحة وتعزيز صمود المجتمع، مما يمهد الطريق لغدٍ تُصان فيه الأنفس وتُبنى فيه الثقة بين المواطن ومؤسساته السيادية تحت ظلال دولة القانون.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال