الرئيسية / الأخبار / الصومال.. عطشٌ يفتك بالنازحين وسط قسوة الجفاف

الصومال.. عطشٌ يفتك بالنازحين وسط قسوة الجفاف

في ظل تقلبات مناخية عاصفة تضرب منطقة القرن الأفريقي، تواجه الصومال فصلاً مأساوياً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية، حيث تحول البحث عن شربة ماء إلى ملحمة يومية للبقاء على قيد الحياة، وسط صمت البادية وأنين المخيمات التي تكتظ بآلاف الفارين من أنياب القحط والظروف المعيشية القاسية التي لم تبقِ ولم تذر.

​تتصاعد حدة الأزمة الإنسانية بشكل مقلق على أطراف مدينة “غروي” الصومالية، عاصمة ولاية بونتلاند، حيث يواجه مئات الرعاة النازحين ظروفاً معيشية بالغة القسوة ناتجة عن انعدام الغذاء التام وشح المياه الصالحة للاستخدام البشري، وفقاً لما رصده تقرير ميداني لصحيفة “العربي الجديد” حول تداعيات التغير المناخي في المنطقة.

​وقد أدى فشل المواسم المطرية لأربع فترات متتالية إلى انهيار شامل في القطاع الرعوي ونفوق أعداد هائلة من الماشية، التي كانت تمثل المورد الاقتصادي الوحيد لتلك الأسر، ما دفعها مرغمة للنزوح القسري نحو الحواضر والمدن بحثاً عن سبل للنجاة في ظل تدهور بيئي واقتصادي غير مسبوق ضرب جذور حياتهم التقليدية.

​وفي مخيم “جللاب”، برزت شهادات مؤلمة لأمهات يكافحن في معركة يومية لتوفير لترات قليلة من المياه المالحة لإعالة أسر كبيرة، وسط عجز مالي تام عن شراء المياه الصالحة من الصهاريج التجارية التي استغلت هذه الندرة لرفع الأسعار إلى مستويات قياسية تفوق طاقة النازحين الذين فقدوا كل ممتلكاتهم.

وفي تجسيد حي لعمق الفاجعة الإنسانية، تروي المصادر قصصاً تدمي القلوب، منها قصة النازحة أبشيرو محمد التي فقدت إحدى طفلاتها الوعي من شدة الجوع والعطش، مما يعكس تحولاً جذرياً ومأساوياً للمجتمعات الرعوية التي تحولت من قوى منتجة ومستقلة إلى أسر مستضعفة تعيش على فتات المساعدات المتقطعة.

ويؤكد التقرير المنشور في “العربي الجديد” أن العائلات تضطر تحت وطأة الحاجة لاستخدام مياه آبار مالحة وغير صالحة للشرب كخيار وحيد متاح، حيث وصل سعر برميل المياه في بعض المناطق إلى نحو دولارين، وهو مبلغ يمثل ثروة بعيدة المنال لأسر لا تجد ما يسد رمق أطفالها من الطعام الضروري.

كما يعاني هؤلاء النازحون من هشاشة المأوى وانعدام الخصوصية، إذ يقيمون في أكواخ بدائية مشيدة من قطع البلاستيك البالية والأقمشة المهترئة التي لا تقي من لهيب شمس النهار ولا من قرس برد الليل، في ظل غياب شبه تام للخدمات الصحية الأساسية والتدخلات الإغاثية العاجلة من قبل المنظمات الدولية.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، تمتد المأساة لتلقي بظلالها الثقيلة على مخيمات “داداب” في كينيا، حيث يعاني أكثر من مائة ألف لاجئ صومالي من عطش حاد نتيجة أعطال فنية أصابت الآبار الرئيسية المزودة للمخيم، مما أدى إلى توقف مظاهر الحياة الأساسية وتفاقم معاناة النساء والأطفال بشكل دراماتيكي.

​وقد تسبب شح المياه الحاد في توقف المهن البسيطة التي كانت تمثل بصيص أمل للاجئين، مثل غسل الملابس وأعمال البناء اليدوية، مما أدخل الأسر في دوامة مظلمة من الديون المتراكمة والفقر المدقع، حيث أصبح تأمين الماء يستهلك كل وقت وجهد أرباب الأسر على حساب العمل أو التعليم.

​ويواجه ذوو الإعاقة وكبار السن تحديات جسدية ونفسية مضاعفة، حيث يضطر بعضهم للسير لساعات طويلة رغم إصاباتهم الجسدية بحثاً عن مصادر بديلة للمياه، وسط تحذيرات طبية نقلتها “العربي الجديد” من مخاطر وشيكة لتفشي الأوبئة الفتاكة كالكوليرا نتيجة انعدام النظافة الشخصية وتلوث المياه المتاحة.

من جانبها، أقرت السلطات المحلية ببلدية “غروي” بمحدودية قدراتها وإمكانياتها أمام حجم التدفق البشري المتزايد والاحتياجات الهائلة، مناشدة المجتمع الدولي والجهات المانحة بضرورة التدخل الفوري وتكثيف عمليات الإغاثة لمنع وقوع كارثة إنسانية شاملة قد تؤدي إلى خسائر بشرية لا يمكن تداركها.

​وفي سياق متصل، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن الصومال يمر حالياً بواحدة من أعقد وأخطر أزمات الجوع في تاريخه الحديث، نتيجة تداخل عوامل التغير المناخي القاسي والصراعات المسلحة المستمرة، بالإضافة إلى التراجع الحاد في مستويات التمويل الإنساني العالمي الموجه للمنطقة.

وتؤكد أنظمة الإنذار المبكر الدولية أن المؤشرات الحالية للأمن الغذائي والمائي تسير على خطى المجاعات الكبرى السابقة، مما يستوجب استجابة دولية عاجلة ومنسقة تتجاوز تقديم المساعدات الطارئة إلى بناء حلول جذرية ومستدامة تضمن استقرار هذه المجتمعات المنكوبة على المدى الطويل.

إن استمرار فصول أزمة المياه في الصومال يضع ضمير المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وحضاري حقيقي؛ فبينما يتسارع ركب التقدم العالمي، تذبل أرواحٌ بريئة خلف أسوار المخيمات بانتظار قطرة ماء، ما يفرض ضرورة صياغة استراتيجية دولية شاملة للأمن المائي تضمن كرامة الإنسان وحقّه الأصيل في الحياة والعيش الكريم.

عن محرر الشبكة

شاهد أيضاً

الصومال وسويسرا تبحثان تعزيز آفاق حماية حقوق الإنسان

مقديشـو — في إطار جهودها الدؤوبة لتوطيد ركائز العدالة وترسيخ سيادة القانون، شهدت الصومال حراكاً دبلوماسياً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *