مقديشو — أطلقت الأمم المتحدة نداءً دوليًا عاجلًا لحشد 852 مليون دولار أمريكي، في مسعى استراتيجي يهدف إلى محاصرة الأزمات الإنسانية المتشابكة في الصومال وتوفير شبكة أمان للفئات الأكثر تضررًا من الصدمات المناخية والأمنية.
ويأتي هذا النداء الإنساني بملامح “ترشيدية” واضحة، حيث سجل انخفاضًا بنسبة 40% مقارنة بمطالب العام الماضي، مما يعكس توجهًا أمميًا نحو حوكمة المساعدات وتركيزها في بؤر الاحتياج الأشد خطورة وحرجة في ظل شح التمويل العالمي.
وتكشف المعطيات الميدانية عن تآكل حاد في سبل العيش إثر انحباس الأمطار لأربعة مواسم متتالية، ما أدى إلى خروج 85% من الأراضي الزراعية عن دائرة الإنتاج، وتسبب في قفزات سعرية غير مسبوقة للسلع الأساسية أرهقت كاهل المواطنين.
وتشير التوقعات الديموغرافية لعام 2026 إلى أن دائرة الخطر الغذائي ستتسع لتشمل 4.4 مليون شخص ممن سيواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، ما يضع الاستقرار المجتمعي أمام اختبار قسري يتطلب استجابة دولية موازية لحجم المعاناة.
وعلى جبهة النزوح، تضافرت ضغوط المناخ مع التوترات الأمنية لتجبر نحو 680 ألف شخص على مغادرة ديارهم خلال عام واحد، ليرتفع إجمالي النازحين داخليًا إلى 3.3 مليون فرد يعيشون في بيئات تفتقر للحد الأدنى من المقومات الأساسية.
وحذرت الهيئات الحقوقية من تبعات هذا النزوح المأساوي الذي ضاعف من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وزاد من وتيرة الإخلاء القسري من المخيمات، ما جعل مراكز النزوح ساحات لمواجهة أزمات معيشية واجتماعية مركبة.
وفي الشق الطبي، يرزح النظام الصحي الصومالي تحت وطأة نقص التمويل المزمن وإغلاق العديد من المرافق، ما فتح الباب أمام تفشي أوبئة الكوليرا والحصبة والدفتيريا، التي باتت تهدد حياة الآلاف في ظل غياب الرعاية الصحية اللازمة.
وتبرز مأساة الطفولة كأحد أكثر فصول الأزمة إيلامًا، حيث يواجه نحو 1.85 مليون طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد، من بينهم أكثر من 400 ألف حالة صنفت طبيًا بأنها شديدة الخطورة وتتطلب تدخلًا علاجيًا فوريًا.
ورغم تسجيل انخفاض إحصائي في أعداد المحتاجين، إلا أن المنظمات الإغاثية أوضحت أن هذا التراجع ناتج عن تدقيق معايير الاستحقاق لا عن تحسن حقيقي في الواقع المعيشي، الذي لا يزال يراوح مكانه بين مطرقة الجفاف وسندان الفقر.
وتهدف الخطة الأممية المحدثة إلى الوصول لنحو 2.4 مليون شخص فقط، وهو ما يمثل أقل من نصف المحتاجين فعليًا، في إشارة مقلقة لتقلص القدرات الإغاثية الدولية وتراجع التغطية الإنسانية بنسبة تصل إلى 47% مقارنة بالعام السابق.
ونبه الخبراء إلى أن استمرار العجز المالي سيؤدي إلى تدهور دراماتيكي في المشهد الإنساني، خاصة بعد إغلاق مئات مراكز التغذية، مؤكدين أن الصمت الدولي في هذه المرحلة قد يكلف المنطقة أثمانًا باهظة من الناحيتين البشرية والأمنية.
وتظل هذه الاستغاثة الأممية صرخة في ضمير المجتمع الدولي تتجاوز لغة الأرقام، لتشكل ميثاقًا إنسانيًا أخلاقيًا يهدف إلى انتشال الصومال من دوامة الأزمات، وتحويل المنح الإغاثية إلى جسور عبور نحو استدامة تنموية، تعيد صياغة مفهوم الصمود الوطني في وجه عواتي المناخ وتقلبات الأقدار، بما يضمن صيانة الكرامة الإنسانية وحق الأجيال في مستقبل أكثر أمانًا.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال