مقديشو — حذرت منظمة “أطباء بلا حدود” (MSF) من تدهور حاد وغير مسبوق في الأوضاع الصحية والغذائية بجمهورية الصومال الفيدرالية، نتيجة توالي مواسم انحباس الأمطار وارتفاع أسعار المياه، بالتزامن مع تراجع قياسي في التمويل الإنساني الدولي.
وأفادت منظمة “أطباء بلا حدود” في تقرير ميداني بأن طواقمها في مناطق “بيدوا” و”مذغ” ترصد زيادة مقلقة في حالات سوء التغذية الحاد وتفشي الأمراض الوبائية مثل الحصبة والدفتيريا، وذلك بعد إعلان الحكومة الصومالية حالة الطوارئ بسبب الجفاف، مما وضع البلاد أمام أزمة صحية مركبة.
وأشارت منظمة “أطباء بلا حدود” إلى أن التقارير الدولية تؤكد تعرض 4.4 مليون شخص لانعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم 1.85 مليون طفل دون سن الخامسة يواجهون خطر الموت بسبب الجوع، في حين اضطر أكثر من 3.3 ملايين شخص للنزوح إلى مخيمات مكتظة تفتقر للخدمات الأساسية.
وكشفت منظمة “أطباء بلا حدود” عن تراجع الدعم الدولي لأدنى مستوياته منذ عقد من الزمان، مما تسبب في إغلاق أكثر من 200 مركز صحي وغذائي منذ مطلع عام 2025م، وتقليص المساعدات الغذائية الشهرية من 1.1 مليون مستفيد إلى 350 ألف شخص فقط.
وذكرت منظمة “أطباء بلا حدود” أن مراكزها في “بيدوا” سجلت قفزة في قبول حالات سوء التغذية بنسبة 48%، بينما شهدت منطقة “مذغ” زيادة بنسبة 35%، في ظل تعطل 182 منشأة صحية في المنطقة، مما أدى إلى ضغط هائل على القدرات التشغيلية للمنظمة.
وفي تصريح للمنسقة الميدانية لـ منظمة “أطباء بلا حدود”، “ألارا علي”، أكدت أن المستشفيات تستقبل أطفالاً في حالات حرجة جداً بعد رحلات نزوح شاقة، مشددة على أن الجفاف لم يجفف الآبار فحسب، بل دمر أنظمة الدعم الأسري، مما جعل إنقاذ الأرواح تحدياً يفوق طاقة الفرق الطبية.
وسلطت منظمة “أطباء بلا حدود” الضوء على المعاناة الاقتصادية للنازحين، حيث ارتفع سعر برميل المياه إلى 4 دولارات، مما دفع المنظمة لتوزيع أكثر من 6 ملايين لتر من المياه الصالحة للشرب في 17 موقعاً للنازحين كإجراء طارئ لمواجهة ندرة المياه الحادة.
ونقلت منظمة “أطباء بلا حدود” شهادات مؤلمة لأمهات فقدن مواشيهن وعجزن عن شراء الغذاء والدواء، حيث تسببت المياه الملوثة والمالحة في إصابة الأطفال بأمراض معوية حادة، وسط انعدام فرص العمل وتفاقم أزمة الجوع في مخيمات النزوح.
واختتم ممثل منظمة “أطباء بلا حدود” في الصومال، “الشافعي محمد”، بالتحذير من أن هذا الوضع “غير مقبول” لكونه كان متوقعاً، داعياً الجهات المانحة لصرف تمويلات طارئة فورية لدعم برامج التغذية والتحصين قبل تفاقم موسم “جيلال” الجاف، منعاً لخسائر بشرية فادحة.
تعد هذه الأزمة انعكاساً لمأساة إنسانية مزدوجة؛ حيث يتقاطع “التطرف المناخي” مع “الخذلان الدولي”. الصومال، التي تقع في قلب “المنطقة الصفرية” للتغير المناخي، تجد نفسها اليوم تدفع ثمن التحولات البيئية العالمية من دماء أطفاله. إن توالي خمسة مواسم من انحباس الأمطار ليس مجرد ظاهرة جوية، بل هو تعطيل كامل لسبل العيش، وما يفاقم المأساة هو ظاهرة “إرهاق المانحين” التي حولت أمراضاً يمكن الوقاية منها إلى أوبئة قاتلة تفتك بالفقراء وسط صمت دولي.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال