مقديشـو — على أطراف العاصمة مقديشو، وتحت شمس حارقة، تشهد الإبل – رمز الصومال الأصيل – تحولًا هادئًا يجمع بين التراث وروح العصر. فقد شكلت الإبل لعقود طويلة العمود الفقري لثقافة البدو الرحّل في الصومال، مصدراً للغذاء ووسيلة للنقل، وإلهاماً للشعر والحكايات الشعبية. واليوم، بحسب وكالة أسوشيتد برس (AP)، أصبحت في قلب صناعة ألبان ناشئة تسعى لتحسين التغذية وخلق فرص عمل.
خلال زيارة منتصف يونيو، رصدت وكالة AP مشاهد من مزرعة بيدر للإبل، وهي إحدى مزارع الألبان الحديثة التي ظهرت في محيط العاصمة. قطعان الإبل تتجول في أحواش رملية بينما تتغذى أخرى على أعلاف طازجة، فيما يقوم عمال مدربون بحلبها وجمع الحليب في أوعية معقمة.
رغم أن الصومال يضم أكثر من 7 ملايين رأس من الإبل – وهو أكبر عدد في العالم – فإن القليل من إنتاجها من الحليب كان يصل إلى الأسواق الحضرية، وفق ما تشير إليه وكالة AP. الطبيب البيطري ومدير المزرعة، الدكتور عبد الرزاق ميري هاشي، يقود جهود تطوير الإنتاج من خلال تحسين الأعلاف، وتقديم الرعاية البيطرية، واعتماد أساليب حلب حديثة، ما ضاعف إنتاج الناقة الواحدة إلى 10 لترات يومياً.
أما المدير التنفيذي للمزرعة، جامع عمر، فأوضح لـ AP أن “بيدر” تستحوذ على نحو 40% من سوق حليب الإبل التجاري في البلاد وتوظف قرابة 200 عامل دائم، بالإضافة إلى عمال موسميين.
من الحليب إلى الزبادي
حققت المزرعة قفزة نوعية بافتتاح أول مصنع في الصومال لإنتاج زبادي حليب الإبل، والذي بات يُباع تحت علامة “بيدر” في المتاجر الكبرى بمقديشو. وأوضح المهندس الغذائي الكيني، نيلسون نجوكي غيثو، لوكالة AP أن هذا الحليب يحتوي على نسبة لاكتوز أقل من حليب البقر، إضافة إلى مستويات أعلى من فيتامين C والحديد والزنك.
من جانبه، أكد أخصائي التغذية الدكتور يحيى شول لوكالة AP أن الزبادي غني بالكالسيوم والمغنيسيوم والبروبيوتيك، مما يجعله داعماً مهماً للصحة العامة في بلد يعاني من تحديات سوء التغذية.
دعم حكومي متصاعد
وزارة الثروة الحيوانية في الصومال تدعم بدورها هذه الصناعة الواعدة. فقد صرّح مدير صحة الحيوان بالوزارة، الدكتور قاسم عبدي معلم، لـ AP أن الحكومة بصدد إقرار قانون للألبان ووضع خطة استثمارية كبرى، مشيراً إلى إمكانية استغلال حليب الإبل في مجالات أخرى مثل مستحضرات التجميل، أسوة بدول أخرى.
ومع مغيب الشمس فوق أحواش “بيدر”، تسير الإبل بخطى هادئة وثابتة، في مشهد يلخص مسيرة التغيير في الصومال: بطيئة، لكنها لا تتوقف. ومن قوافل الصحراء القديمة إلى عبوات الزبادي في المتاجر الحديثة، تؤكد وكالة أسوشيتد برس أن رحلة الإبل الصومالية لا تزال مستمرة.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال