الرئيسية / التقارير / تحديات المرونة والتكيُّف: حدود الاستجابة للتغيُّر المناخي في القرن الأفريقي

تحديات المرونة والتكيُّف: حدود الاستجابة للتغيُّر المناخي في القرن الأفريقي

لمنطقة القرن الأفريقي تاريخ طويل مع الكوارث الطبيعية والبيئية والإنسانية؛ فبلدان المنطقة تُصنَّف ضمن الأكثر عرضة لمخاطر التغير المناخي، والأقل استعداداً للصدمات المناخية، إلى جانب كونها مِنْ أكثر الدول هشاشة واضطراباً وفقراً في العالم. وخلال العقود الأربعة الماضية، ضربت موجات الجفاف والجوع والأوبئة المصاحبة المنطقة مرات عديدة، وكانت دائماً محفزاً رئيساً للنزوح والتنافس والتوترات الداخلية وتلك العابرة للحدود على الأراضي والموارد المائية، وأبرز مثال على ذلك المجاعة الإثيوبية بين عامي 1983و1985، التي خلَّفت نحو 1.2 مليون وفاة و2.5 مليون مشرد داخلي، ومجاعتي الصومال الكارثِيَّتَين عامي 1992 و2011، اللَّتَين أودتا بحياة أكثر من 300 ألف، و260 ألف صومالي، على التوالي.

وفي الأعوام القليلة الماضية، أخذت آثار تغيُّر المناخ في منطقة القرن الأفريقي في الظهور بوتائر متسارعة، على نحوٍ عكس مقدار الانكشاف المؤسسي وضعف الاستعدادات لمواجهتها. فعلى سبيل المثال، تعرَّضت ثلاث من دول المنطقة، هي الصومال وإثيوبيا وكينيا، لأسوأ موجة جفاف منذ أكثر من أربعة عقود، ما جعلها موطناً لـنحو 70% من الأشخاص الأكثر معاناة من انعدام الأمن الغذائي الحاد في العالم، وفقاً لتقارير لجنة الإنقاذ الدولية المتخصِّصة في رصد الكوارث الطبيعية ودرئها. وما يزيد الوضع سوءاً أن بلدان القرن الأفريقي تعتمد بشكل كبير على الزراعة (والبعلية منها على وجه الخصوص) ورعي الماشية، باعتبارهما رافدين حيويَّين لاقتصاداتها، ودعامة أساسية لسُبُل عيش أكثر من 75% من سكانها، مما يجعلها عرضة لانعدام الأمن الغذائي بفِعل الجفاف، وتعززت هذه الهشاشة في ظل التداعيات الكارثية لجائحة كورونا والأزمة الأوكرانية، لاسيما على صعيد نقص إمدادات الحبوب والوقود العالميَّين، وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار السلع، وتراجُع المساعدات الإنسانية الدولية.

آثار التغيُّر المناخي في القرن الأفريقي

على رغم ضآلة إسهامات القارة الأفريقية في ظاهرة الانبعاثات الدفيئة، والتي تبلغ 4% فقط من الإجمالي العالمي (فمثلاً، بلغ نصيب الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في أفريقيا جنوب الصحراء 0.7 طناً مترياً، في عام 2019، مقارنة بـ 14.7 طناً في الولايات المتحدة، وبالمعدل العالمي المقدَّر بــ 4.4 طن)، فإن ارتفاع وتيرة الاحترار العالمي -من بين عوامل أخرى- أدى إلى تزايد تقلُّبات الطقس وتحديات المناخ، لاسيما في منطقة القرن الأفريقي، وجعلها إحدى أكثر المناطق عُرضةً للتأثُّر بتغيُّر المناخ، إذ تفاقمت التداعيات المناخية بسرعة كبيرة، وتجلَّت في تناقص معدل هطول الأمطار وتذبذُبها من منطقة إلى أخرى، وإزاحة المواسم المطرية زمنياً، وتزايد الكوارث الطبيعية وارتفاع منسوب مياه البحر والفيضانات، لكن الأثر الأشد وطأة ووضوحاً هو موجة الجفاف التي تضرب المنطقة، منذ أكثر من عامين، على نحو جعلها واحدة من أكثر بقاع العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي هذه الأثناء، تشهد أجزاء من الصومال وجارتيه الكُبرَيَين (إثيوبيا، وكينيا)، موسم الأمطار الجهيض السادس على التوالي، وفي حال كان هطول الأمطار أقل من المتوسط ​​خلال الموسم الحالي الذي بدأ منذ مارس ويستمر حتى أواخر مايو المقبل، سيكون هذا أسوأ جفاف في المنطقة منذ 70 عاماً على الأقل، وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO). وحتى الآن، ساهم الجفاف في حدوث أزمة غذائية شديدة، ناهيك عن تبعاته الأخرى المدمرة، بما فيها تفشي الأمراض المميتة، وتزايد النزوح، واضطرار الأطفال لترك مدارسهم، وتفاقم التنافس والتوترات داخل دول الإقليم وفيما بينها، حيث دفع أكثر من 22.7 مليون نسمة في الصومال وجنوب إثيوبيا وشمال كينيا، إلى حافة المجاعة، التي تسبَّبت في وفاة نحو 43 ألف صومالي خلال العام الماضي، نصفهم أطفال دون سن الخامسة، وهي حصيلة أولية، تضمّنتها دراسة حديثة أصدرتها، في 20 مارس الماضي، وزارة الصحة الصومالية ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف، والتي قدَّرت أنَّ بين 18 ألف و34 ألف شخص آخرين سيلقون حتفهم خلال النصف الأول من العام الحالي.

وفضلاً عن نضوب عدد من الأنهار والينابيع، بما فيها نهرَي أشبيلية وجوبا اللَّذَين ينبُعان من إثيوبيا ويصبُّان في الصومال، واستهلاك ما يصل إلى 90% من مياه الآبار، وارتفاع تكلفة المياه بنسبة 400% منذ يناير 2021، ونزوح 1.75 مليون شخص، ونُفُوق أكثر من 13 مليون رأس من الماشية؛ تسبَّب الجفاف والاحترار والظواهر المناخية الأخرى بأضرار فادحة على النظم البيئية والزراعية، بما في ذلك فقدان التنوع البيولوجي والتلوث وانجراف التربة وانخفاض خصوبتها وتزايد التصحر، وزيادة وتيرة الاحتطاب والرعي، وتقلُّص الغطاء النباتي الأخضر والأراضي المستصلحة للزراعة، وانخفاض المحاصيل الزراعية، وانعدام الأمن الغذائي، وفقدان سُبُل العيش، وتفاقم النزاعات ومهددات الاستقرار في المنطقة.

وفي مثال آخر على اشتداد الظواهر الجوية المتقلبة، تزايدت معدلات هطول الأمطار على بعض المناطق، حيث غمرت مياه الأمطار والأنهار مناطق عديدة في جنوب السودان، للعام الرابع على التوالي، مُجبرةً أكثر من نصف مليون شخص، على النزوح عام 2021 وحده، ومؤثرةً في مئات الآلاف غيرهم. ومؤخراً نجم عن الأمطار الغزيرة في جنوب الصومال، لاسيما في مدينة بارطيري بمحافظة غدو، حدوث سيول وفيضانات، راح ضحيتها عشرات الأشخاص، فضلاً عن نزوح الآلاف وتدمير العديد من الممتلكات. ومع ذلك، فإن هذا الهطول فوق المعدَّل المعتاد في جنوب الصومال، قد لا يعكس الأداء العام للموسم المطري، وربما يكون مجرد طفرة مناخية تستمر لفترة قصيرة يتبعها فترات جفاف طويلة.

جهود وتدخلات محدودة

على الرغم من الجهود والتدخلات المحدودة لجهة التعاطي الجاد والمسؤول مع آثار وعواقب التغيُّرات المناخية، تبدو حكومات القرن الأفريقي وشعوبها عاجزة عن إحداث فرق حاسم بهذا الشأن، وتُعوِّل على الجهود والمساعدات الدولية والإقليمية، لرفع قدرتها على التكيُّف وبناء المرونة طويلة الأمد، على اعتبار أنَّ دول القارة السمراء والبلدان النامية والفقيرة ترى أنَّ العالم المتقدِّم مَدِين لها، وتطالب بإسهامه في دعم جهودها لمواجهة آثار تغيُّر المناخ، مما يقود إلى الجدل المثار حول مفهوم “العدالة المناخية”.

وتعد أثيوبيا أكثر دول القرن الأفريقي وأسرعها في التحرُّك المبكر وإعطاء الأولوية لمواجهة التحديات البيئية والصدمات المناخية، حيث قطعت حكومة آبي أحمد خطوات عدة في مسار استراتيجيات الوقاية والتكيُّف المستدام، لعل أبرزها مبادرة البصمة الخضراء لمعالجة آثار إزالة الغابات، وهي حملة حقَّقت نجاحاً كبيراً بزراعتها 350 مليون شجرة في يوم واحد في أغسطس 2019، ضمن برنامج تشجير ضخم نجح في زراعة حوالي 25 مليار شتلة في عموم البلاد بين عامي 2019 و2022، وتوفير الشتلات إلى بعض البلدان المجاورة.

كما شرعت أديس أبابا في خطة تنمية جديدة مدتها عشر سنوات (2021-2030)، تُعطي الأولوية للزراعة والتصنيع والتعدين والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، باعتبارها ركائز أساسية للتقدم الاقتصادي، ضمن برنامج للإصلاح الاقتصادي، يرتكز على مبادئ النمو المستدام، وبناء اقتصاد صديق للبيئة، وقادر على التكيُّف مع تغيُّر المناخ؛ عبر الاهتمام بتحسين الإدارة المتكاملة لموارد المياه والتربة وتنميتها، من أجل خلق اقتصاد مقاوم للجفاف والتصحر، وإنشاء وكالة التحوُّل الزراعي (ATA)، لمعالجة مشكلات قطاع الزراعة وزيادة الإنتاجية الزراعية في البلاد. وفي الإطار نفسه، اتجهت إثيوبيا لإنتاج القمح منذ أكثر من عام، لتعلن مؤخراً الاكتفاء الذاتي من هذا المحصول، والبدء في تصديره لدول الجوار، وذلك بالرغم من مفارقة تعرُّض جنوب البلاد لموجة جفاف شديدة، فيما يلوح شبح المجاعة في مناطق عديدة من إقليمي أوجادين الصومالي وأوروميا، على نحو جعل أكثر من 4.4 ملايين شخص في الإقليم محتاجين إلى المساعدة الغذائية الطارئة، بحسب تصريحات نائب حاكم إقليم أوروميا أويلو عبدي.

أما جيبوتي، فتحاول أن تحذو حذو جارتها الكبرى، التي منحتها ربع مليون شتلة، كجزء من مبادرة البصمة الخضراء، بهدف تسريع تكامل الاقتصاد الأخضر بين البلدين. فضمن خطتها الاقتصادية 2035، التي تعطي الأولوية للتعاون الوثيق مع الجيران الإقليميين، بما في ذلك في مجال الطاقة الخضراء، تطمح جيبوتي لِأَن تُصبح مُورّداً عالمياً رائداً للهيدروجين الأخضر. وبحسب ما ذكره الرئيس إسماعيل عمر جيله خلال كلمته في افتتاح قمة «تغيُّر المناخ والبحوث: الطريق نحو التكيُّف والمرونة المستدامة» التي استضافتها بلاده أواخر أكتوبر الماضي، فقد أنشأت جيبوتي “خطاً مترابطاً لتسخير الطاقة الكهرومائية النظيفة بالشراكة مع إثيوبيا”. كما وقَّعت في ديسمبر 2022، مذكرة تفاهم لإنشاء مركز للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بقدرة 10 جيجاوات مع شركة “سي دبليو بي غلوبال” الصربية. ووقعت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية الجيبوتية، في وقت سابق من العام نفسه، اتفاقية إطارية مع شركة “فورتسكو فيوتشر إنداستريز” الأسترالية، لتوفير إمدادات الطاقة النظيفة والآمنة (منخفضة الكربون)، والاستفادة من موقع جيبوتي الجغرافي باعتبارها بوابة لشرق أفريقيا.

وفي إطار جهودها الرامية لتعزيز التوجه البيئي الأخضر، استحدثت الحكومة الصومالية، من ناحيتها، وزارة للبيئة والتغيير المناخي لأول مرة في الحكومة الجديدة في أغسطس الماضي، وطرحت الوزارة حتى الآن بعض المشاريع لتعزيز هذا التوجه، أبرزها زراعة 10 ملايين شجرة، في إطار مبادرة بيئية هي الأولى من نوعها في هذا البلد، تحمل اسم “الصومال الأخضر”.

بناء المرونة والتكيُّف: التحديات والتوقُّعات

من غير المتوقع أن تكون الحكومات والجهات المعنية في منطقة القرن الأفريقي قادرة على القيام بتدخلات مهمة وحاسمة في مواجهة آثار تغيُّر المناخ في المدى المنظور، دون مساعدة المجتمع الدولي، إذ تواجه على هذا المسار تحديات كبيرة، أبرزها: ضعف هياكل الحوكمة، والاضطرابات السياسية والأمنية، والهشاشة الاقتصادية والتنموية، وتسارع النمو السكاني وأنماط الهجرة، على نحو يُشكِّل ضغطاً شديداً على الموارد، ويزيد من خطر نقص الغذاء، ويؤدي إلى التدهور البيئي؛ فضلاً عن التدافع الدولي والسباق الجيوسياسي في المنطقة، والذي يخلُق حالة من التنافس والتوترات داخل دولها وفيما بينها البين، إلى جانب تأثُّر المنطقة بتداعيات الأزمات الكبرى والتحولات الدولية الراهنة. ويمكن التطرق بإيجاز لأهم التحديات، على النحو الآتي:

1. ضعف الحوكمة وهياكلها: من أجل تجاوز حالة الفساد والإخفاق المزمن للإدارات والسلطات المحلية في دول المنطقة، من المهم العمل على تعزيز هياكل الحكم المحلي داخلها، وتبنِّي سياسات رشيدة وأكثر فعالية في مجالات تنمية الموارد الطبيعية، والتكيُّف مع المناخ والقدرة على الصمود، ومنع السلوكيات والممارسات المسببة لتدهور النظم البيئية المحلية.

ولا شك في أنَّ إصلاح وترسيخ مؤسسات حكم متماسكة، وآليات فعَّالة لتنسيق الحلول الإقليمية للتحديات المشتركة، يُمثل خطوة أساسية في هذا المسار، وسيقود إلى استجابة مبكرة وفاعلة لتداعيات التغيُّرات المناخية والكوارث والصراعات. مع الاعتراف بأن توجهاً كهذا لن يكون تحقيقه سهلاً؛ فحتى في حال وجود رغبة لدى حكومات المنطقة في تطبيق الحكم الرشيد، من الصعب ضمان استجلاب دعم الشركاء الدوليين في ظل عدم القدرة على التحقُّق من أنَّ هذا الدعم يُنفَق في الاتجاه الصحيح ولنفس الغرض (تعزيز الحوكمة)، فضلاً عن وجود تعقيدات موضوعية عديدة ومتداخلة، يتعلّق معظمها بطبيعة سياسات المنطقة والتركيبة الديمغرافية فيها، حيث يؤدي العاملان القبلي والإثني دوراً في تشكيل النخب والمنظومات السياسية وتصعيدها، على نحو يُعيق -في بعض الأحيان- خطط بناء الدولة وعمل مؤسساتها، ونشاط شركاء البيئة والعمل الإنساني.

2. ديناميات الصراع المزمنة: من المسلم به أن صراعات القرن الأفريقي المستمرة تعد واحدة من أهم مُسببات عدم الاستقرار وهشاشة دول المنطقة، واستنزاف مواردها، وتدمير بناها التحتية، وتعطيل المؤسسات والمشاريع والخطط التنموية فيها، وتُشكِّل بالتالي أولويات ومشاغل أكثر إلحاحاً تُضعِف وتُشتِّت قدرات وجهود الاستجابة المحلية والدولية لمخاطر التغير المناخي.

وحتى الآن، لم تتعافَ دول المنطقة من آثار الحروب والصراعات الداخلية والبينية، التي جعلت اقتصاداتها عُرضَةً لمخاطر الركُود والتضخُّم، فضلاً عن العقوبات الدولية، وتوقُّف جزء كبير من الاستثمارات والمساعدات الخارجية. ففي الصومال، مثلاً، تجد حركة الشباب المجاهدين الإرهابية في الجفاف، وما يترتَّب عليه من أزمة إنسانية ونزوح وهجرة جماعِيَّين، فُرصاً لتوسيع نفوذها وترسيخ شرعيتها، إذ سيطرت على بعض الموارد المائية كالآبار والأحواض التي تُشكِّل مصدر حياة لعشرات الآلاف من سكان الأرياف وسط وجنوبي البلاد، كما ردمت ودمرت بعضها الآخر، في محاولة لإخضاع المواطنين لسلطتها وتحصيل بعض الضرائب والجبايات منهم. وتتولى الحركة تقديم بعض الخدمات والمعونات الإغاثية المشروطة، للمجتمعات الفقيرة والمعدمة، لاستقطاب أبنائها، بما في ذلك تجنيد عدد متزايد من الأطفال مقابل مبالغ مالية زهيدة أو سِلال غذائية لعائلاتهم.

3. الانكشاف الاقتصادي والتضخُّم السُكَّاني: بينما تمضي إثيوبيا في مساعيها للتحوُّل إلى الاقتصاد الأخضر، وتخصيص الموارد لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، على نحو جعلها تبدو في حال أفضل نسبياً مقارنة ببقية دول القرن الأفريقي، لكنها تعاني من تضخُّم ونمو سكاني متسارعين (بعدد سكان يبلغ قرابة 120 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر بلدان القارة سكاناً بعد نيجيريا). وتواجه دول المنطقة جميعها ارتفاعاً في نسبة فئة الشباب (نحو 71% من السكان دون سن الثلاثين، وحوالي 40% دون الخامسة عشرة)، وارتفاعاً موازياً في نسب البطالة، ومشكلات أخرى ترتبط بالعامِلَين الديمغرافي والاقتصادي.

وبرغم أنَّ النمو السكاني وتوفُّر العمالة الرخيصة، من بين المزايا الواعدة لاستغلالها في تنمية المنطقة مستقبلاً، فإن تضاؤل ​​فرص العمل والموارد، يُشكِّل في الوقت الراهن والمدى المنظور ضغوطاً كبيرة، ويجعل هذه الدول والمجتمعات بيئة خصبة لتنامي الاتجاهات العنيفة والصدامات العشائرية نتيجة التنافس المتزايد على الموارد، على نحو يزيد من خطر نقص الغذاء، ويؤدي إلى التدهور البيئي. كما يُسبِّب مشكلة لدول الجوار، لاسيما في شبه الجزيرة العربية، نتيجة تدفُّق مئات الآلاف من لاجئي القرن الأفريقي إليها سنوياً.

وتتمتع دول المنطقة بثروات وموارد طبيعية كبيرة غير مستغلة، بما فيها البترولية والمعدنية والسمكية والحيوانية. وفضلاً عن فُرَص استخراج الغاز الذي قد يكون وسيلتها الأساسية في المرحلة الانتقالية لتحوّل الطاقة، كانت الرياح والشمس الأسرع نمواً بين مصادر الطاقة في المنطقة منذ عام 2010، لكن تظل إمكاناتهما غير مستغلة بالشكل المطلوب؛ حيث شكّلا 5% و1% على التوالي من الكهرباء الموَلَّدة في المنطقة بنهاية 2020، ومن المتوقع نمو حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى 15% بحلول 2030، بحسب تقرير حديث لوكالة الطاقة الدولية.

وإلى جانب صعوبات عدم الاستقرار السياسي والهشاشة في هذه الدول، تواجه خُطَط التحوُّل إلى مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة تحديات جوهرية جمَّة، من قبيل البيروقراطية وصعوبة تكييف السياسات الاقتصادية، والافتقار إلى التخطيط الواضح، ومحدودية الخبرة الفنية، لكن المعضلة الأكبر تتمثل في عدم القدرة على تأمين التمويل اللازم، والذي يُقدَّر بعشرات المليارات سنوياً في المنطقة وحدها (بحسب أحدث التقديرات، يحتاج العالم ما يصل إلى 2.6 تريليون دولار كل عام خلال السنوات الخمس المقبلة لمكافحة التغير المناخي، والوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050). وبالتالي من المتوقَّع أن تظل المنطقة والعالم ككل يواجهان فجوة كبيرة في التمويلات المناخية، لاسيما في ظل عجز الحكومات عن تنشيط اقتصاداتها الوطنية، وعدم وفاء المانحين بالتزاماتهم، ومحدودية حصص المنطقة من البرامج الدولية والتمويل العالمي للتكيُّف مع تحديات تغير المناخ، وإحجام الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مشاريع تراها أقل إدراراً للأرباح، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية.

مقترحات للمُضي قُدُماً

ثمة حاجة مُلحَّة إلى تضافر الجهود والتحرُّك المبكر والمكثُّف على مختلف الصعد، ليس فقط لتفادي وقوع أزمة إنسانية كبرى في القرن الأفريقي جراء تفاقُم تفشِّي المجاعة والأمراض المميتة؛ بل أيضاً لتحسين قدرة الحكومات والجهات والمجتمعات المحلية والإقليمية على التكيُّف وبناء المرونة طويلة الأمد، في مواجهة مخاطر التغير المناخي والكوارث الطبيعية والبيئية والإنسانية. وفي هذا السياق، يتعيَّن على المجتمع الدولي وشركاء العمل المناخي والإنساني، القيام بالآتي:

  • إعادة النظر في أسباب استمرار تراجُع المساعدات الإنسانية الدولية المُنقِذَة للأرواح في المنطقة، وسرعة الإيفاء بالالتزامات وزيادتها، بما في ذلك تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للقرن الأفريقي لهذا العام 2023، التي يطالب بها برنامج الأغذية العالمي والمقدرة بـ 2.4 مليار دولار، لمواجهة الجوع وسوء التغذية المدمِّرَين الناجمين عن الجفاف في جميع أنحاء المنطقة.
  • زيادة تمويل الاستثمار في مشروعات التكيُّف المستدام مع المناخ لتقليص الفجوة الكبيرة بهذا الشأن، بما في ذلك مشروعات التحوُّل إلى الطاقة النظيفة (مثل الهيدروجين الأخضر والشمس والرياح)، ودعم استراتيجيات التكيُّف المحلية، مثل تحسين قدرة المجتمعات والمؤسسات المحلية على الإدارة المتكاملة لموارد الأراضي والمياه، عبر إدخال نُظم الري الحديثة والاقتصادية، وتنويع المحاصيل الزراعية، واستخدام البذور وسلالات الماشية المحسَّنة، وتقنيات مكافحة التصحر والتعرية وجمع المياه واستعادة الأراضي العشبية، وغير ذلك.
  • تعزيز ودعم أنظمة الإنذار والاستجابة المبكِّرَين، ومشاركة البيانات والمعلومات، وتبادُل المعرفة ومواءمة الخبرات، وتكثيف النقاشات المنهجية، والبرامج التوعوية، للجهات المعنية والمجتمعات المحلية، بهدف وضعها في صورة المخاطر المترتبة على الممارسات الخاطئة المسببة لتدهور البيئة والاستغلال السيء وغير المسؤول للموارد الطبيعية.
  • تطوير استراتيجيات أكثر شُمولاً لدِرء المخاطر متعددة الأوجه، تتضمن تعزيز آليات الحوكمة وهياكلها، وخفض ديناميات الصراعات، وبناء السلام المستدام، لضمان استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، وحتى يكون بمقدور الحكومات والجهات المحلية والإقليمية الأخذ بزمام القيادة والمبادرة بشأن جهود وبرامج الصمود والتكيُّف طويل الأمد مع تغيُّرات المناخ.
  • حث دول المنطقة على الاستفادة من المناخات والظروف الدولية والقارية والإقليمية الراهنة باتجاه زيادة دعم العمل المناخي وتنسيقه، من خلال المنظمات الأممية والإقليمية ودون الإقليمية المختصة بالبيئة والمناخ، واستكشاف الفرص المتاحة لتحسين قدرات دول المنطقة على التحرُّك المبكر في مواجهة مخاطر التغير المناخي، من قبيل تحسين القدرة على استيعاب التمويل الخارجي في برامج الإغاثة وبناء المرونة، وتخصيص الموارد والجهود الممكنة، للاستثمار في بناء اقتصادات منافسة ومستدامة وصديقة للبيئة، وتشجيع الشركاء الأجانب على التعاون والمشاركة في جهود كهذه، لاسيما عبر الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة، باعتبارها قطاعاً تنافسياً واعداً، سيجلب عوائد ومنافع متبادلة ومستدامة.

المصدر: مركز الإمارات للسياسات      الأصل: مشـاهدة الأصل

عن محرر الشبكة

شاهد أيضاً

مبادرة “لايف” الدولية لمكافحة الجوع بالصومال

في إطار الاستجابة الإنسانية المتكاملة تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك، أطلقت مؤسسة “لايف للإغاثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *