تواجه الصومال تدهوراً متسارعاً وغير مسبوق في أوضاعها الإنسانية والمعيشية جراء تضافر عوامل التغير المناخي الحاد وموجات الجفاف الطويلة، مما أدى إلى تسجيل ارتفاعات قياسية في معدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وسط تحذيرات من كارثة وشيكة قد تعصف بالبلاد.
وجاء في بيان صحفي إنساني أصدرته منظمة “كونسيرن العالمية”، أن أكثر من 6 ملايين مواطن صومالي باتوا يعانون بالفعل من مستويات حرجة جداً من الجوع الحاد، في وقت تتوقع فيه البيانات الطبية المتخصصة وصول عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد إلى نحو 1.88 مليون طفل بحلول نهاية العام الجاري.
وتتجلى المآسي الإنسانية بمرارة في مخيمات النزوح العشوائية المحيطة بمنطقة “روبدا”، حيث تروي الأمهات قصصاً قاسية عن الصراع اليومي المرير من أجل البقاء، وتأمين لقمة العيش لأطفالهن الذين يعانون من وطأة الجوع والمرض في ظل ظروف بيئية وصحية غاية في التدهور والصعوبة.
وشكّلت مراكز الرعاية الصحية المتخصصة، لاسيما مركز “عيل دعس” لخدمات الأمومة والطفولة المدعوم من منظمة “كونسيرن” والاتحاد الأوروبي، طوق النجاة الوحيد لإنقاذ آلاف الأطفال النازحين، في وقت تشهد فيه المستشفيات الخاصة ارتفاعاً حاداً في أسعار العلاج تفوق بكثير القدرات المالية المعدومة للأسر المتضررة.
وعلى الصعيد الطبي الميداني، تؤكد البيانات أن الأطفال هم الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً بهذه الأزمة الممتدة، حيث تمكنت الفرق الإغاثية المشتركة من فحص نحو 227000 طفل منذ مطلع العام الجاري، وقدمت الرعاية العلاجية المنقذة للحياة لأكثر من 27600 طفل مصاب بسوء التغذية بمختلف مستوياته.
وشهدت مراكز تحقيق الاستقرار الصحي تدفقاً مقلقاً للحالات الحرجة المهددة بالموت بنسبة زيادة بلغت 60 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حيث استقبلت هذه المراكز أكثر من 1100 طفل في حالة صدمة صحية حادة، مما يعكس العمق الخطير للوضع التغذوي الراهن بالبلاد.
ويشير تقرير الاستجابة الإنسانية الصادر عن المنصة الرقمية لمنظمة “كونسيرن” العالمية، إلى أن هذا الارتفاع القياسي في عدد الحالات المتأخرة يعود أساساً إلى إغلاق العديد من المرافق الصحية الريفية وتقليص برامج الرعاية المجتمعية جراء نقص التمويل، مما تسبب في غياب آليات الكشف المبكر والتدخل في الوقت المناسب لمنع تفاقم الأوضاع الصحية للأطفال في القرى النائية.
وتتزامن هذه الأزمة التغذوية مع حركة نزوح قسرية واسعة النطاق، حيث أجبرت موجات الجفاف والنزاعات المستمرة نحو 3.3 مليون شخص على هجر ديارهم والعيش في مخيمات مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مع توقعات بنزوح أكثر من 304000 شخص إضافيين جراء تدهور ركائز الاستقرار المحلي.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتياجات الإنسانية، تواجه الصومال فجوات تمويلية دولية حادة، حيث تقدر الأمم المتحدة أن 4.8 مليون شخص بحاجة لدعم فوري، بينما تواجه الوكالات الأممية شحاً مالياً خطيراً يهدد بنفاد مخزون الأغذية العلاجية المتخصصة للأطفال ووقف المساعدات النقدية بحلول شهر سبتمبر المقبل.
وزادت الأزمات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية من عمق المعاناة الإنسانية المحلية، حيث أدت الاختلالات المستمرة إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية، وسجلت أسعار الوقود صعوداً قياسياً بنسبة 70 بالمائة، مما حد من قدرة الصومال على امتصاص الصدمات نظراً لاعتمادها الكلي على الاستيراد.
وفي إطار جهود الاستجابة، يقود “تحالف النقد الصومالي” استراتيجية مرنة لتقديم المساعدات المالية متعددة الأغراض بدعم من الاتحاد الأوروبي والوكالة السويسرية للتنمية، حيث نجح في إسناد 223000 شخص في المناطق الأكثر تضرراً، وقام بتوزيع 7.9 مليون يورو، مع خطط لإضافة 51200 مستفيد جديد قريباً.
وبناءً على التحديثات الإغاثية الواردة في هذا البيان الإنساني لـ “كونسيرن”، فإن هذه المجهودات تتكامل مع تقديم دعم مالي مخصص لتغطية الأعباء غير المباشرة لتعافي الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، بالتوازي مع توفير المياه الآمنة؛ حيث يستفيد في مدينة بيدوا أكثر من 5300 شخص من التحويلات المنتظمة بدعم من الوكالة الأيرلندية التي تمول أيضاً برنامج “حنانو” الحدودي لإسناد 16100 مواطن.
وأطلق ريتشارد نان، مدير منظمة “كونسيرن” في الصومال، تحذيراً شديد اللهجة أكد فيه أن الكارثة تفوق الإمكانات المتاحة، وأن غياب الاستثمارات المستدامة لحماية سبل العيش يهدد بحدوث مجاعة في المناطق الرعوية، لاسيما مع المؤشرات التي تحذر من قدوم ظاهرة “النينيو” المتطرفة وما يتبعها من فيضانات مدمرة وأوبئة.
يضع هذا التقرير الإنساني الموسّع المنبثق من المعاناة الصومالية المجتمع الدولي بمؤسساته وهيئاته المانحة أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل أو المواربة، كونه يبرهن بالأرقام والشهادات الميدانية على أن الاستجابات التقليدية العابرة لم تعد كافية لصد ضربات التغير المناخي الجائر. إن مشهد الطفولة المهددة بسوء التغذية، واكتظاظ مخيمات النزوح، وتهاوي النظم الزراعية والرعوية تحت وطأة الطقس المتطرف، كلها شواهد تؤكد أن الحل لا يكمن في سلال الإغاثة المؤقتة التي توشك على النفاد، بل في تبني استراتيجية تمويلية دولية مستدامة وشجاعة. إن دعم الصومال في هذه المرحلة المفصلية يتطلب الانتقال الفوري من سياق الإغاثة الاستدراكية إلى سياق الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية المائية، وتطوير برامج الحماية الاجتماعية، وتمكين المؤسسات المحلية؛ لإنقاذ جيل كامل من براثن الفناء، وتحويل بؤر المعاناة المناخية إلى مجتمعات قادرة على الصمود، التعافي، والاعتماد على الذات.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال