الرئيسية / الأخبار / ​جفاف تاريخي بالصومال وسط تراجع المساعدات الدولية

​جفاف تاريخي بالصومال وسط تراجع المساعدات الدولية

​تواجه جمهورية الصومال الفيدرالية مجدداً أزمة جفاف طاحنة وصفت بأنها الأشد قسوة في تاريخ البلاد الحديث، وسط تحذيرات دولية من تداعيات إنسانية كارثية ناجمة عن شح الأمطار لثلاث سنوات متتالية، وتراجع حاد في التمويل الإغاثي الدولي؛ مما وضع ملايين المواطنين وخاصة في محافظات مثل “بونتلاند” والمناطق الجنوبية والشمالية أمام خيارات معيشية معقدة وقاسية لإنقاذ عائلاتهم ومواشيهم التي تمثل عصب الاقتصاد الرعوي المحلي في واحدة من أكثر دول العالم تأثراً بالصدمات المناخية والبيئية الراهنة.

ونقل تقرير صحفي لوكالة الأنباء الأمريكية “أسوشيتد برس” عن أسر متضررة في قرية “عسغري” بولاية بونتلاند مأساة حقيقية يعيشها الرعاة؛ حيث فقد المواطن عبدي أحمد فارح (70 عاماً) جل ثروته الحيوانية بعد نفوق مئات الرؤوس من أغنامه ولم يتبق له سوى 110 رؤوس من أصل 680 رأساً، مما ضاعف ديونه لتأمين مياه الشرب عبر الشاحنات التجارية، وتقليص وجبات عائلته ومجموع أطفاله البالغ عددهم 22 طفلاً إلى وجبة واحدة في اليوم تتكون من الأرز والسكر والزيت، في وقت تفتقر فيه زوجته التي وضعت طفلها الأخير قبل ثلاثة أسابيع إلى القدرة الطبيعية على الرضاعة بسبب سوء التغذية، حيث قال فارح: “لقد فكرت في التخلي عن عائلتي لأنني لم أعد قادراً على إعالتهم وتوفير مقومات الحياة لهم”.

وأشار التقرير الميداني إلى أن هذه الأزمة الإنسانية تعقدت بشكل دراماتيكي نتيجة تقليص تمويل المساعدات الدولية، لا سيما من قِبل الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب التي تُعد من كبار المانحين، تزامناً مع قفزات حادة في الأسعار العالمية جراء الحرب الإيرانية؛ حيث يستورد الصومال معظم احتياجاته من الوقود من الشرق الأوسط ونحو 70 بالمائة من أغذيته الأساسية من الخارج، فضلاً عن تسجيل أدنى مستوى على الإطلاق في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالذرة والذرة الرفيعة خلال موسم الأمطار المنصرم (أكتوبر – ديسمبر)، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

وفي سياق متصل، حذرت منظمة الأمومة والطفولة (يونيسف) من أن نحو نصف مليون طفل صومالي يواجهون خطر سوء التغذية الحاد والوخيم، وهي النسبة الأعلى مقارنة بالعدد الذي احتاج للعلاج الطارئ خلال موجات الجفاف السابقة في عامي 2011 و2022، فيما أكد حميد نورو، مدير برنامج الأغذية العالمي في الصومال، أن عام 2026 يُعد العام الأسوأ على الإطلاق في سجلات البلاد من حيث الجفاف الشديد، مشيراً بأسف إلى أن حالات الوفاة نتيجة الجوع قد بدأت تسجل بالفعل بين الأطفال.

وأظهرت أحدث بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادرة يوم الخميس أن نحو 6 ملايين شخص يواجهون حالياً مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ورغم تراجع هذا الرقم طفيفاً عن تقديرات شهر فبراير الماضي التي بلغت 6.5 ملايين نسمة (والتي شكلت ثلث سكان البلاد بزيادة 25% عن يناير)، إلا أن الرقم الحالي يظل أعلى بكثير من التوقعات السابقة المقدرة بـ 5.5 ملايين نسمة، مما يفرض ضغوطاً خانقة على المنظمات الإنسانية والمنظومة المحلية التي تحاول تعظيم مواردها المتاحة بدعم لوجستي وتبرعات مالية مرسلة من المغتربين الصوماليين في الخارج.

ووصف محمد عسير، أحد مديري منظمة “رعاية الطفولة” في بونتلاند، الوضع الراهن قائلاً: “هذا الجفاف ليس مجرد دورة عادية من مواسم الجفاف، بل هو صدمة مناخية متكررة تتزامن مع انكماش وتراجع المظلة الإنسانية المتاحة لدعم السكان”، حيث أدى ذلك لانهيار الاقتصاد المحلي في قرية عسغري التي تضم 700 عائلة، واضطرت المحال التجارية للإغلاق بعد تراجع حركة التجارة بالماشية الهزيلة، وأشار زعيم المجتمع المحلي هناك، أبشير حرسي علي، إلى أن عائلات يائسة شربت من برك مياه الأمطار الملوثة والضحلة التي خلفتها زخات مطر قصيرة، مما أدى لانتشار الحمى والأمراض، بينما أوضحت المواطنة محيبو طاهر عمر (47 عاماً وهي أم لـ 11 طفلاً) أنها اضطرت لبيع مواشيها لدفع الرسوم الدراسية لأبنائها قبل أن يغادر المعلمون القرية لتعذر السداد، معربة عن مخاوفها الحقيقية على مستقبِل قريتها بأكملها.

​وتسببت ظروف الجفاف القاسية والنزاعات المسلحة المستمرة منذ عقود في تشريد ملايين المواطنين، يضاف إليهم نزوح نحو 200 ألف شخص جديد هذا العام وفق تقديرات الأمم المتحدة، حيث أوضح كيفن ماكي، مدير منظمة “ورلد فيجن” الإغاثية في الصومال، أن العائلات تقطع مسافات شاقة مشياً على الأقدام لعدة أيام قد تصل لتسعة أيام متواصلة للوصول إلى مراكز المساعدات في مدينة “دولو” الجنوبية، بينما تواجه مخيمات أخرى كمخيم قرية “شاهدة” في بونتلاند عجزاً حاداً؛ حيث أفادت النازحة شكري (20 عاماً وأم لأربعة أطفال) بتفشي مرض الإسهال وسوء التغذية الحاد بين الأطفال بسبب المياه غير النظيفة وغياب الحصص الغذائية، في حين توجهت عائلات أخرى نحو العاصمة مقديشو كالمواطنة فاطمة (45 عاماً وأم لسبعة أطفال) التي فرت من مناطق شبيلي السفلى بعد جفاف مصادر المياه الزراعية والأنهر وتفاقم الوضع المعيشي بسبب تهديدات حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.

من جانبه، أعرب أنطوان غراند، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الصومال، عن قلقه البالغ إزاء القادم، مشيراً إلى أن الجفاف المماثل في عام 2022 حظي باستجابة تمويلية من المانحين تعادل خمسة أضعاف ما يتوفر حالياً، حيث انخفض حجم التمويل الإنساني الإجمالي للصومال بشكل حاد ليصل إلى 531 مليون دولار في عام 2025 مقارنة بـ 2.38 مليار دولار في عام 2022.

فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه تمكن من إغاثة 300 ألف شخص فقط من أصل مليوني مستهدف بسبب فجوات التمويل، تزامناً مع نفاد الحليب العلاجي في مستشفى مدينة “قرضو” ببونتلاند واضطرار الممرضات لاستخدام بدائل منزلية كحليب الأبقار لإغاثة الأطفال المصابين بالهزال الحاد، ومن بينهم الطفلة فرحية (4 سنوات) التي تزن 7.5 كيلوغرامات فقط وبرزت عظامها تحت جلدها بعد نفوق مواشي عائلتها، وفق ما أكدته والدتها نجمة التي أبدت فقدانها الأمل في العودة للحياة المستقرة مجدداً.

تضع أزمة الجفاف الراهنة الصومال أمام تحدٍّ إنساني وتنموي بالغ التعقيد، وتكشف بوضوح الفجوة الهائلة بين تسارع الصدمات المناخية المتكررة في القرن الأفريقي وتراجع الالتزامات المالية للمانحين الدوليين الكبار، الأمر الذي يتطلب من الحكومة الصومالية عبر ذراعها التنفيذي، هيئة إدارة الكوارث الصومالية (صـودما)، تكثيف الجهود الدبلوماسية والإغاثية لإنقاذ الفئات الأكثر هشاشة، وصياغة استراتيجيات دولية وإقليمية ومحلية مستدامة تسعى لبناء المرونة المجتمعية، وسد الفجوات التمويلية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية المركبة لضمان حفظ الأرواح والكرامة الإنسانية.

عن محرر الشبكة

شاهد أيضاً

روسيا تسلّم الصومال شحنة مساعدات إنسانية

​مقديشـو — ​سلّمت روسيا أمس الجمعة حكومة جمهورية الصومال الفيدرالية شحنة مساعدات إنسانية طارئة تزن خمسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *