مقديشـو — في خطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد النظام الصحي وتعزيز مرونة الخدمات الطبية، دشنت الحكومة الصومالية في مقديشو اليوم الثلاثاء، “الاستراتيجية الوطنية للصحة المجتمعية 2025-2029″؛ وهي خطة وطنية طموحة تسعى إلى توسيع نطاق الوصول لخدمات الرعاية الأولية، لاسيما في المناطق النائية والمحرومة، لضمان مستقبل صحي وآمن لجميع المواطنين.
وأكد معالي الدكتور علي حاجي آدم، وزير الصحة والرعاية الاجتماعية—وفقاً لما أوردته الصفحة الرسمية للوزارة عبر منصة “فسبوك”—أن هذه الاستراتيجية التي أُطلقت بالتعاون مع منظمة “اليونيسف” ومنظمة الصحة العالمية ومركز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها، تمثل تحولاً جذرياً نحو نظام صحي موحد تقوده الحكومة للوصول إلى كل أسرة صومالية.
وأشار معالي الوزير في كلمته الافتتاحية إلى أن الصومال تطوي اليوم صفحة تشتت الجهود في القطاع الصحي، لتبدأ فصلاً جديداً يرتكز على “نظام صحي واحد، وقوة عاملة موحدة، ونهج منسق”، مما يضع حداً للبرامج الموازية ويُعزز من كفاءة العمل الإنساني والتنموي في البلاد.
وتسعى الاستراتيجية—حسبما أفاد به المصدر الرسمي للوزارة—إلى مواجهة التحديات المزمنة المتمثلة في ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال، وانخفاض تغطية التحصين، وسوء التغذية، عبر بناء كادر وطني معياري من العاملات الصحيات المجتمعيين اللواتي سيتم تدريبهن وتوظيفهن برواتب رسمية.
ويرتكز المخطط الوطني على نشر هؤلاء الكوادر في المجتمعات المحلية لتقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك رعاية حديثي الولادة، والدعم الغذائي، والوقاية من الأمراض، مع تفعيل نظام إحالة دقيق إلى المرافق الصحية لضمان التدخل الطبي السريع والفعال.
وأوضحت التقارير الإعلامية للوزارة أن الإصلاحات الجديدة تشمل تعزيز أنظمة الإشراف، وتحسين سلاسل التوريد، وإدخال أدوات إعداد التقارير الرقمية، مما يساهم في تجويد جمع البيانات الصحية وتنسيق الجهود الاستراتيجية بين المركز والأطراف بمهنية عالية.
من جانبه، أكد السيد نزار سيد، المسؤول في منظمة “اليونيسف”، أن الاستثمار في الصحة المجتمعية هو أقوى استثمار يمكن أن تقدمه الصومال للأطفال وأسرهم، مشيراً إلى أن الاستراتيجية ستقرب الخدمات الأساسية من المنازل وتُعزز الروابط بين المجتمع والنظام الصحي العام.
وباركت منظمة الصحة العالمية ومركز أفريقيا لمكافحة الأمراض (Africa CDC) هذا الإنجاز، واصفين إياه بـ “الخطوة الجوهرية” نحو بناء نظام صحي مرقمن وقادر على الكشف المبكر عن الأمراض، مما يعزز من جاهزية الدولة في مواجهة الأزمات الوبائية المفاجئة.
وأعلنت الحكومة أن تنفيذ الاستراتيجية سيتم على مراحل زمنية مدروسة، تبدأ ببناء الأنظمة الأساسية مثل مسح القوة العاملة وتوحيد معايير التدريب، قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع الشامل على مستوى البلاد لضمان الاستدامة والمصداقية.
وتهدف هذه الرؤية الموحدة—وفقاً لـ منصات الوزارة الرسمية—إلى استبدال البرامج المشتتة التي تديرها الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية بإطار وطني موحد تحت إشراف الدولة، بما يضمن سيادة القرار الصحي الوطني وتوجيه الموارد نحو الأولويات القصوى.
ويأتي هذا الحراك كجزء من جهود الصومال الأوسع لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، وتعزيز حوكمة القطاع الصحي من خلال إصلاحات هيكلية في التمويل والإدارة، بما يضمن بناء مجتمع معافى قادر على المساهمة في مسيرة البناء والتنمية.
إن تدشين الاستراتيجية الوطنية للصحة المجتمعية يمثل “عقداً اجتماعياً” جديداً يتجاوز المفهوم التقليدي للعلاج إلى فضاء الرعاية المتكاملة؛ فبناء الأطر المؤسسية وتوحيد الجهود هو الضمانة الأكيدة لتحويل التحديات البيئية والوبائية إلى طاقة إيجابية لبناء صومال أخضر، صامد، ومزدهر، ترفرف فوقه راية الأمن الصحي الشامل بكرامة وإنسانية.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال