بقلم: عبدالرزاق محمود توريري
مقديشو — في عام 2009، وصل طفل يدعى إسماعيل هاشم إلى مخيم بادبادو في مقديشو، هاربًا من جفاف مدمر ضرب جنوب الصومال. لم يكن يحمل معه سوى ملابسه ومستقبلًا غامضًا ينتظره.
يقول إسماعيل مستذكرًا:”هربنا وتركنا كل شيء خلفنا — فقط لنتمكن من البقاء على قيد الحياة.”
كان المخيم المكتظ قسوة واقع جديد بالنسبة له، لكن وسط المعاناة والتحديات، وجد عزيمته. راقب وتعلم، وبدأ يحلم ليس لنفسه فقط، بل من أجل مجتمعه بأكمله.
بعد أكثر من عقد من الزمن، حوّل إسماعيل المحنة إلى ابتكار. يصمم ويصنع مواقد تعمل بالفحم تحتوي على ثلاث غرف احتراق، وهي أدوات عملية تسمح للأسر بطهي عدة وجبات في آنٍ واحد. هذا الحل العملي جاء من رحم المعاناة، لكنّه يحمل معه الأمل.
“لقد دفعتني الحياة لأن أكون مبدعًا،” يقول، ويداه مغطاة بالسواد. “لم يكن لدي خيار آخر، كان علي أن أجد طريقة للبقاء.”
حظيت مواقده بشعبية واسعة في المخيم وبين الأسر ذات الدخل المحدود. فهي رخيصة، وفعالة، ومصممة بتعاطف وفهم عميق لاحتياجات الناس اليومية.
اضطر إسماعيل إلى ترك المدرسة بسبب الفقر، لكنه لم يتخلَ عن التعلم. علّم نفسه بالعمل، وبالإصرار، وبالصبر.
“لم أستطع دفع رسوم المدرسة،” يوضح، “لكنني كنت أعلم أن لدي ما أقدمه — بيدي وعقلي.”
مع مرور الوقت، طوّر مهاراته وبدأ بتعليم الآخرين. اليوم، يقوم إسماعيل بتدريب وتوظيف مجموعة من الفتيان من المخيم، ناقلًا إليهم المهارات التي ساعدته على النجاة.
“هم يساعدونني في اللحام والتركيب. إذا نجحت أنا، سينجحون هم أيضًا.”
لكن طموحات إسماعيل أكبر من مجرد صناعة المواقد يدويًا. يحلم ببناء مصنع لإنتاج مواقد الغاز وتوفير فرص عمل للشباب الصومالي. ولكن الموارد محدودة.
“العقبة الأكبر هي عدم توفر المعدات والتقنيات الحديثة. بدون أدوات مناسبة، يصعب التوسع،” يقول. “لكن مع الدعم، يمكنني تغيير طريقة الطهي في الصومال.”
إسماعيل لا يطلب صدقات، بل فرصًا حقيقية.
“لا أريد معونات، أريد تدريبًا، وآلات، وسوقًا لأتمكن من النمو ومساعدة الآخرين.”
كما يدعو إسماعيل الشباب الصومالي للتفكير مليًا قبل خوض رحلات الهجرة الخطرة إلى أوروبا.
“هذا البلد يحتاجكم،” يؤكد. “أنا أؤمن بالصومال. لقد أعطاني الألم، لكنه منحني أيضًا الهدف. لن أتركه.”
بالنسبة لإسماعيل، الابتكار ليس مجرد مهارة، بل هو وسيلة للبقاء، وكفاح، وبناء مستقبل لا يضطر فيه الشباب للاختيار بين الجوع والأمل.
تثبت رحلته، من طفل نازح إلى مبتكر تعلم بنفسه، أن الإصرار يمكن أن يزدهر حتى في أقسى الظروف، وأن الأحلام يمكن تشكيلها من رحم المعاناة.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال