ورشيخ — في مشهد إنساني مؤثر يعكس روح المبادرة المجتمعية، أجرى فريق من أطباء العيون الصوماليين المتطوعين حملة طبية غيّرت حياة المئات في واحدة من أكثر المناطق تهميشًا في البلاد. فقد استفاد أكثر من 300 من سكان مدينة ورشيخ الساحلية، الواقعة في محافظة شبيلي الوسطى، من خدمات طبية مجانية خلال حملة ليوم واحد نُظّمت في 4 يوليو 2025.
وقد قدّم الأطباء الشباب، المتخصصون في طب العيون والطب العام، خدمات متكاملة شملت الفحوصات الطبية، والعمليات الجراحية البسيطة، وصرف الأدوية مجانًا، مع التركيز على علاج أمراض العيون الشائعة مثل المياه البيضاء، والالتهابات، ومشاكل ضعف الإبصار.
المبادرة كانت بجهود محلية خالصة، دون دعم من الحكومة أو وكالات الإغاثة الدولية، حيث قام الأطباء بجمع التبرعات وتنفيذ الحملة بأنفسهم بدافع الإحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعاتهم.
يقول الدكتور ياسر محمد، أحد أطباء العيون المشاركين في الحملة:”الوصول إلى خدمات العيون في المناطق الريفية في الصومال شبه معدوم. كثيرون في أماكن مثل ورشيخ يعيشون لسنوات في ظلام يمكن علاجه.”
وقد أُقيمت الحملة في محطة طبية مؤقتة بمدينة ورشيخ، التي تبعد نحو 70 كيلومترًا شمال العاصمة مقديشو. ورغم ما تتمتع به المنطقة من جمال طبيعي وتاريخ عريق، إلا أن خدماتها الصحية تكاد تكون معدومة، مع بنية تحتية ضعيفة وغياب المنشآت الطبية الدائمة.
وشهدت الحملة إقبالًا واسعًا من الرجال والنساء والأطفال، بعضهم مشى لساعات من القرى المجاورة بحثًا عن العلاج.
وشملت الخدمات التي قدمها الفريق الطبي:
- فحوصات شاملة للعيون
- علاجات ميدانية للالتهابات ومشاكل القرنية
- صرف أدوية موصوفة مجانًا
- عمليات جراحية بسيطة مثل إزالة المياه البيضاء وجراحات الجفن
- إحالات للحالات المعقدة إلى مستشفيات متخصصة في مقديشو
وقد تم تسجيل المرضى ومعالجتهم حسب أولوية الوصول، وكانت هذه المرة الأولى للكثيرين التي يُفحصون فيها على يد طبيب عيون مختص.
واستهدفت الحملة أزمة صحية صامتة، تتمثل في الانتشار الواسع لأمراض العيون غير المعالجة في الريف الصومالي. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 80% من حالات العمى حول العالم يمكن الوقاية منها أو علاجها، لكن غياب الخدمات الصحية الأساسية يُبقي ملايين الناس في ظلام يمكن تفاديه، لا سيما في الدول الهشة مثل الصومال.
في مناطق مثل ورشيخ، تشكّل الفقر والصراعات وغياب البنية التحتية تحديات ضخمة أمام حصول السكان على الرعاية الصحية، وخصوصًا التخصصية منها. فالمستشفيات العامة نادرة وضعيفة التمويل، أما العيادات الخاصة فهي خارج قدرة معظم الأسر.
انبثقت المبادرة من جهود مشتركة بين طلاب طب صوماليين وأطباء مبتدئين ونشطاء مجتمعيين لاحظوا الحاجة الماسّة خلال زيارات ميدانية في وقت سابق من هذا العام. وبدعم من تبرعات فردية ومساهمات من الجالية الصومالية في الخارج، تمكن الفريق من تأمين المعدات الأساسية والأدوية ووسائل النقل لإطلاق الحملة.
وقد جرى تحويل مبنى إحدى المدارس المحلية إلى عيادة ميدانية مؤقتة، حيث تم إعداد غرف فحص باستخدام أدوات يدوية وإضاءة محمولة. ورغم الإمكانيات المحدودة، سارت الحملة بكفاءة عالية بفضل التخطيط المسبق والحشد المجتمعي.
تقول آمنة نور، وهي أم لستة أطفال تبلغ من العمر 56 عامًا:”كنت أفقد بصري تدريجيًا في إحدى عيني، وكنت قد فقدت الأمل. واليوم، بعد عملية إزالة المياه البيضاء، أستطيع أن أرى أحفادي من جديد.”
وقد أثار نجاح الحملة دعوات من قِبل قادة المجتمع إلى تكرار مثل هذه المبادرات الصحية المستدامة، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني من التهميش.
وفي بلد غالبًا ما تتصدر عناوين أخباره مشاهد الحرب والقرصنة والسياسة، تبرز مثل هذه القصص لتسلّط الضوء على صمود المجتمع، وتضامنه، وأمله المتجدد. إن حملة العيون في ورشيخ تشكّل نموذجًا ملهمًا لحلول يقودها الشباب، ولنشاط طبي محلّي قادر على تغيير حياة الناس… مريضًا تلو الآخر.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال