الإثنين , 4 يوليو 2022

هل تعود منطقة القرن الأفريقي بؤرة للأزمات؟

طرأ على منطقة القرن الأفريقي خلال الأعوام الماضية تحوّلاً على مستوى الحكم بالتوافق على إصلاح سياسي وإقامة الانتخابات إيذاناً بفتح صفحة جديدة نحو مسيرة التحول الديمقراطي في عدد من دوله، وتراجع وتيرة الإرهاب وخفوت العمليات التي تنفذها الجماعات الإرهابية إلى حدٍ ما، بالتالي تراجع الوجود الدولي بتغيير استراتيجية الولايات المتحدة واستعدادها للتركيز على شرق آسيا.

ولكن عندما بدا أن تخفيف وجودها كلياً في أفريقيا مكلف سياسياً، بدأت عودة بطيئة ومشتتة إلى حد ما. كما شهدت دول القرن الأفريقي الخارجة من الحروب والمجاعات مثل الصومال بوادر تنمية وتنافس على الموارد، وخطى واسعة للتنمية كذلك في إثيوبيا. ولكن انقلب ذلك في الفترة الأخيرة منذراً بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، لتلتحم الأحوال في الصومال بالحرب في إثيوبيا، مؤثرة في بقية الإقليم، ما استرعى انتباه المجتمع الدولي وبدأ التحذير من المجاعات وطول أمد الحروب، وإمكان أن تؤدي الأوضاع في الصومال إلى تحوّل القرن الأفريقي إلى بؤرة للأزمات، وتصنيف الأزمة بأنها أزمة وجودية. ويجهض كسر هذا التسلسل الدائري للأزمات في كل دول القرن الأفريقي تقريباً وينسف الجهود الرامية لحلها، في ما يبدو من افتقار حكومات دول المنطقة إلى آليات لحل النزاعات الناشبة، وضعف الكيانات والمؤسسات الإقليمية وقصور دورها، مع انشغال القوى الدولية عن الإسهام في وضع حلول جذرية بالتنافس على إيجاد موطئ قدم في هذه المنطقة الحيوية.

ميراث الحروب

نشأت منطقة القرن الأفريقي على ميراث صراع أهلي متجدد، أفرز دولاً فاشلة، عجزت حكوماتها المتوالية بين نظم عسكرية طويلة وديمقراطيات قصيرة عن أداء واجباتها الأساسية في حفظ الأمن وترسيخ دولة القانون، والقيام بمهمات الدولة الطبيعية والتزاماتها من صحة وتعليم وحقوق وغيرها، حتى باتت الدول الفاشلة في أنحاء أخرى من العالم تُدمغ بمسمّياتها.

ولم يقتصر التوصيف على دول القرن الأفريقي الأساسية الثلاث إريتريا وجيبوتي والصومال، إذ امتد وفقاً للخاصية الجيو-استراتيجية ليشمل إثيوبيا والسودان أيضاً في هذه المساحة من الساحل الشرقي لقارة أفريقيا، واكتسب مرونة في التعريف وفقاً للتغيرات الجيوسياسية واستراتيجيات ومصالح القوى الدولية. وما أسهم في ذلك هو ظهور النظام الإقليمي في فترة ما بعد الاستعمار ونيل غالبية دول المنطقة استقلالها، فتفصيلها حمل إيجابيات أن تكون هذه الدول فاعلة ويسهل التعاطي معها دولياً، كما حمل سلبيات بأن تكون المنطقة بمجملها محوراً للصراعات الداخلية والإقليمية والتدخلات الدولية.

يلعب العامل الأنثروبولوجي دوراً في توصيف المنطقة وهو الناشئ عن خليط من العنصر الأسمر والعربي، والإثنيات الأفريقية الخالصة الأخرى، وربما غلبت هذه على التوصيفات الأخرى القائمة على تعدد الديانات، فمع تنوعها أيضاً، إلا أن هجرة العرب للمنطقة كانت أقدم من الفتوحات المسيحية والإسلامية، لذلك يشمل التنوع الديني اعتقادات أصيلة في المنطقة مثل العبادة الروحية والإيمان بالمعتقدات الأخرى من الطبيعة. كما تأثرت هذه المنطقة بشكل عميق بالتنوع الإثني وتداخل الأعراق بين الدول بسبب الحركة لممارسة النشاطات الاقتصادية مثل الزراعة والرعي والتجارة، ما تسبب بدوره في النزاعات الحدودية. وهي تبعاً للرؤية الاستراتيجية الغربية تم التعامل معها كمنطقة مصالح أولية، يفسر ذلك بلوغ هذه المنطقة مرتبة مهمة في السياسة الدولية.

أدت سلوكيات النزاعات في المنطقة إلى إبراز صورة ذهنية عن منطقة القرن الأفريقي ارتكزت على جوانب مؤسسة على تاريخها السياسي، وعبّرت عنها مصطلحات عمقت هذه الصورة وجذبت الوصاية الدولية وخلقت تجربة رُصدت من خلال تفاعل التحالفات الإقليمية والدولية لحماية مصالحها.

هشاشة الدول

تُعدّ الطبيعة الهشة وغير المستقرة لدول القرن الأفريقي عاملاً رئيساً لتصاعد النزاعات المزمنة. وإن كان الموقع الاستراتيجي لجيبوتي سمح أن تكون لها علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية واسعة مع القوى الدولية بأن تكون مقراً لعدد من قواعدها العسكرية، وتحقق عوائد اقتصادية كبيرة أسهمت في استقرارها، فإن إريتريا المنعزلة لم تستفِد من هذه الميزة ولكن قد تقودها التغييرات في مجالها الحيوي إلى الانفتاح على العالم. أما الصومال، فيبرز كنموذج صارخ لعدم الاستقرار في المنطقة فلا يزال يدور في فلك الصراع السياسي والحرب الأهلية، ولا تستمر أحواله على وتيرة واحدة. وعاد مرة أخرى إلى حالة عدم استقرار في الحكم بعدما أصدر الرئيس محمد عبدالله فرماجو قراراً يقضي بتمديد فترة ولايته لعامين إضافيين بعدما انتهت رسمياً في فبراير (شباط) الماضي، ثم تبعه بقرار آخر يقضي بتعليق صلاحيات رئيس الوزراء محمد حسين روبلي بسبب التحقيقات في تهم فساد ضده. وعلى إثر ضغوط دولية، تراجع فرماجو عن قراره بتمديد فترة ولايته، وكُلف رئيس الوزراء حسين روبلي تولّي مهمات التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية. واتسعت رقعة الصراع بعدما أمر روبلي الجيش وقوات الأمن التي يتولى مهماتها منذ مايو (أيار) الماضي بتلقّي التوجيهات منه مباشرة بدلاً من الرئيس المنتهية ولايته، ومعبراً كذلك عن رفضه لقراره.

يعتقد كثيرون أن الضغوط الدولية على فرماجو وتمكين روبلي أدّيا إلى خلق حالة من عدم الاستقرار وزعزعة الحكم، وبروز صراعات بين مؤسسات الحكم وانشقاقات قوى المعارضة، ما يُتوقع أن يؤدي إلى مواجهة مسلحة، مع بروز تهديدات من جماعة الشباب الصومالية والجماعات المسلحة الأخرى.

تصعيد الأزمات

أسهمت عوامل عدة في تصعيد الصراعات في منطقة القرن الأفريقي. الأول يرتبط باستمرار محفزات الصراع الداخلي، ففي الصومال، تنشط “حركة الشباب” التي أشعلت التحديات الأمنية بعد أن هدأت لفترة، ولكنها عادت بأحداث متفرقة آخرها الثلاثاء الماضي على إثر الصراع السياسي بين الرئيس ورئيس الوزراء والمعارضة المتحفزة، إذ نفذت هجوماً انتحارياً بالقرب من قاعدة عسكرية تابعة لقوات بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم) التي كان من المقرر سحبها تدريجاً بدءاً من عام 2017، ولكن قرر مجلس الأمن تمديد مهمتها. وقبلها نفذت عمليات عدة ضد القوات الصومالية، ما يرجح تجدد المواجهات المسلحة مرة أخرى. وإضافة إلى الخلاف بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء، فإن تناقص الدعم العسكري الأميركي والأفريقي للصومال، جعل القوات الصومالية تواجه هذه الحركة وحيدة.

إضافة إلى التأثير الإثني الذي لا يقتصر على الصومال وحده وإنما يظل قنبلة موقوتة في كل دول المنطقة، والتعصب القبلي الذي ينمو على حساب الانتماء الوطني أو السياسي. وكذلك نمو الحركات الانفصالية مثل إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) في الصومال، وإقليم تيغراي في إثيوبيا، وحركات المعارضة الإريترية التي تدير نشاطها من دول الجوار مثل السودان، والحركات المسلحة المتمردة التي تطالب بالانفصال في السودان.

ويبرز العامل الثاني في توازن القوى الإقليمية والعلاقة بين هذه الدول ما بين حروب وسلام وتحالفات وتكتلات، ففي أعقاب التغييرات السياسية في الإقليم، أُضيفت تعقيدات أخرى تمثلت في التأثر بالحراك السياسي في الإقليم وأصبحت منطقة القرن الأفريقي امتداداً لها، سواء بالانتفاضات والثورات أو الانقلابات العسكرية، إضافة إلى أن تفاقم الصراعات أدى إلى الاتجاه نحو التسلح، وعليه نشطت تجارة السلاح وتهريبه بين دول الإقليم.

ويرتبط العامل الثالث بالمصالح الدولية، إذ إنه مع التداعيات المحتملة على إثر حالة الاحتقان السياسي، بدأت الأمم المتحدة بنداء للحصول على مساعدات إنسانية للصومال بعد وصول تقارير تفيد باحتمال تعرض البلاد لجفاف ومجاعة كالتي حدثت في العقود الماضية. وتُعدّ هذه القضايا انعكاساً مهماً للتاريخ السياسي المضطرب في المنطقة، ولا يزال يتجدد من وقت لآخر، نظراً إلى أن العوامل المتسببة في هذا الاضطراب راسخة وصعب اقتلاعها.

فصول جديدة

يبدو أن فصولاً جديدة من الصراعات الداخلية والتفاعلات الإقليمية والدولية، سوف تكون حاضرة في الفترة المقبلة، ما يمثل تهديداً كبيراً للأوضاع السياسية والأمنية الهشة. تسيطر على منطقة القرن الأفريقي علاقات صراعية يغلفها تعاون مُفترض، وبناء على هذا الافتراض، أُنشئت المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي و”إيغاد” وغيرها، ولكن لم تفلح هذه المنظمات في حل الأزمات السياسية أو الاقتصادية وظلت دائماً في حاجة إلى مظلة المنظمات الدولية الأكبر والأكثر رسوخاً لتتدخل وتمارس نفوذها وضغطها على أطراف النزاع سواء كانت داخلية أو بين دول المنطقة، عبر وسائل سياسية واقتصادية وعسكرية.

وإلى الآن، تبدو منطقة القرن الأفريقي بعيدةً من تطوير آليات أخرى لإدارة نزاعاتها للوصول إلى تسوية داخلية من دون التدخلات الدولية، بل أصبحت هذه النزاعات هي البيئة التي تدور حولها شبكة التنافس الدولي، وربما يستمر ذلك لفترة طويلة مقبلة بسبب فشل هذه الدول في درء الانقسامات والخلل القائم في شكل العلاقة بين حكومات بلدان المنطقة وشعوبها، إذ نجد أن هناك بوناً شاسعاً بينهما.

تنطوي الأزمة في القرن الأفريقي على تناقضات داخلية معقدة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل التوازن الأمني الإقليمي، ما ينبئ بأن عودة المنطقة إلى كونها بؤرة للأزمات لم تُستحدث من العدم، وإنما هي قائمة على ضآلة الحلول المحتملة لإنهاء الصراعات الداخلية وفي ما بينها.

………………….

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع اندبندنت عربية

عن منى عبدالفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *