تواجه الصومال تحديات إنسانية بالغة التعقيد جراء تداعيات الصراع المستعر في منطقة الشرق الأوسط، والذي بات يهدد بدفع ملايين المواطنين نحو مستويات غير مسبوقة من الجوع الحاد، نتيجة للارتفاع القياسي في تكاليف الوقود والشحن الدولي، وانعكاساتها المباشرة على أسعار المواد الغذائية الأساسية.
ووفقاً لما ذكرته وكالة رويترز في تقريرها الصادر من جنيف لتوثيق بيانات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن رقعة انعدام الأمن الغذائي الحاد باتت تهدد حالياً نحو 45 مليون شخص حول العالم، لاسيما مع استمرار بقاء أسعار النفط الخام فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل، وهو السيناريو الأكثر خطورة الذي يلقي بظلاله القاتمة على الدول المستوردة للغذاء والطاقة.
وأشار التقرير الإنساني إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة أدت إلى تعطيل الملاحة في طرق الشحن الحيوية كمضيق هرمز والمحيط الهندي، مما أجبر السفن التجارية وناقلات الإمدادات على تغيير مساراتها المعتادة، الأمر الذي تسبب في اضطراب سلاسل إمداد الطاقة والغذاء الشريانية المتجهة إلى الموانئ الصومالية.
وتعد الأسر النازحة والمجتمعات المحلية في الصومال في طليعة الفئات الأكثر تضرراً من هذه الأزمة المركبة؛ حيث يتوقع البرنامج الأممي أن تواجه الصومال جوعاً شديداً يطال نحو 6.5 مليون شخص من سكانها — أي ما يعادل ثلث السكان تقريباً — خلال العام الجاري، مع احتمال تفاقم الأوضاع اللوجستية والمعيشية بشكل أعمق.
وأوضح البرنامج أن هذه الأوضاع المأساوية الصعبة تتزامن مع أزمة تمويل حادة تعصف بالوكالات الإغاثية الدولية والمحلية؛ حيث يتوقع تراجع أعداد المستفيدين من المساعدات عالمياً بنحو 1.5 مليون شخص، مع احتمال حرمان 9 ملايين آخرين إذا استمر نقص التمويل والاضطرابات طوال الشهور الستة المقبلة.
وفي الشأن الصومالي الداخلي، نبه التقرير إلى أن إمدادات الأغذية المغذية المخصصة للأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون من سوء التغذية المتوسط ستنفد تماماً بحلول شهر يوليو المقبل، لاسيما وأن البرنامج الدولي يواجه حالياً عجزاً تمويلياً حاداً وغير مسبوق داخل الصومال يصل إلى 89 بالمائة.
وفي سياق متصل، أكد جان مارتن باور، مدير تحليل الأمن الغذائي والتغذية بالبرنامج، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز الأنبائية، أن الغذاء بدأ ينفد بالفعل من المخازن المخصصة للتوزيع، محذراً من أن الأطفال الصوماليين والفئات الهشة في مخيمات النزوح سيكونون الضحية المباشرة والأكثر تأثراً جراء هذا النقص الحاد في الإمدادات.
ويعزى هذا التدهور اللوجستي في الصومال أيضاً إلى انخفاض عدد السفن التجارية التي ترسو في الموانئ الوطنية، فضلاً عن احتجاز بعض مخزونات الإغاثة الدولية بميناء صلالة في سلطنة عُمان نتيجة تعطل حركة الملاحة بالمحيط الهندي، مما تسبب في تأخيرات خطيرة لوصول المساعدات.
وحول آليات الاستجابة، أشارت متابعات وكالة رويترز الإخبارية إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار وقود الطائرات تسبب في مضاعفة تكاليف التشغيل لخدمة النقل الجوي الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، والتي تمثل الوسيلة الآمنة الوحيدة لبلوغ وإغاثة المناطق الداخلية النائية في الصومال، والتي يصعب الوصول إليها برّاً نتيجة الأوضاع الأمنية والجغرافية.
وعلى الصعيد الإقليمي المقارن، ذكر التقرير أن المعاناة ذاتها تمتد لتطال دولة أفغانستان التي يواجه 17.4 مليون من سكانها الأزمة ذاتها، حيث تسببت أزمة الوقود في مضاعفة تكاليف النقل البري للمساعدات هناك إلى خمسة أمثال، وتمديد فترات التسليم من 10 أيام إلى 75 يوماً جراء سلوك ممرات بديلة وعرة.
يكشف هذا التقرير الصحفي الشامل عن عمق الفجوة الهيكلية في الأمن الغذائي الصومالي، ويوضح كيف تتحول الشرارات العسكرية في الشرق الأوسط إلى أزمات معيشية طاحنة تمس لقمة عيش الأطفال والنساء في القرن الأفريقي. إن اعتماد الصومال على الواردات الأساسية، بالتوازي مع تراجع التمويل الدولي المخصص للإغاثة بنسب قياسية، يضع البلاد أمام اختبار حقيقي يتطلب استراتيجية دولية عاجلة لا تقتصر على تقديم المساعدات المؤقتة، بل تمتد لتأمين ممرات الشحن البحري، ودعم تسيير القوافل الجوية الإنسانية، وتوطين إنتاج الأغذية المغذية، تجنباً لارتداد الهزات الجيوسياسية العالمية على الاستقرار المجتمعي والأمن الصحي الشامل للمواطن الصومالي.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال