مقديشـو — تشهد العاصمة الصومالية مقديشو تدهوراً أمنياً وإنسانياً متسارعاً جراء اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة أسفرت عن موجة نزوح جماعي واسعة النطاق، وسط مخاطر حادة تهدد سلامة المدنيين وتضع المجموعات السكانية الأكثر هشاشة في مواجهة تحديات معيشية وحمائية معقدة وقاسية.
وأفاد تقريرٌ عاجلٌ نُشر على الموقع الرسمي لشبكة شبيلي الإعلامية، نقلاً عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بأن المواجهات المسلحة الضارية التي اندلعت بين القوات الحكومية وجماعة معارضة مسلحة بالقرب من تقاطع “دبكا”، امتدت سريعاً لتشمل أحياء سكنية متعددة من بينها مديريات هدن، وعبد العزيز، وهولوداغ، ووارتا نبدا، وأجزاء من مديرية كاران.
وأشارت الإحصاءات الأولية المنشورة عبر الشبكة الإعلامية إلى أن حدة العنف المتصاعد أسفرت عن نزوح قرابة 12500 عائلة صومالية من منازلها، وضمت قائمة الفارين من جحيم القتال آلاف النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، بالإضافة إلى فئات من اللاجئين وطالبي اللجوء الذين تفاقمت أوضاعهم الإنسانية المتردية أصلاً.
وأكدت البيانات الطبية الرسمية الموثقة في متن التقرير أن المواجهات الدامية أدت إلى مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة 189 آخرين بجروح متفاوتة، في حين ما يزال المئات من المدنيين العزل محاصرين في جيوب جغرافية متفرقة داخل العاصمة، دون وجود ممرات آمنة تمكنهم من مغادرة مناطق العمليات العسكرية بشكل كافٍ.
وحذرت الهيئات الأممية من أن اتساع رقعة العنف المسلح في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية يفرض تحديات حمائية بالغة الخطورة، ويضع عراقيل متزايدة أمام وصول الفئات الضعيفة إلى الخدمات الأساسية، فضلاً عن تقييد حرية الحركة وحرمان آلاف العائلات من الحصول على الإمدادات الإغاثية العاجلة.
وفي سياق متصل، وجهت مفوضية شؤون اللاجئين بالتعاون مع شركائها في قطاع الحماية نداءً عاجلاً إلى كافة أطراف النزاع، شددت فيه على ضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ووجوب تحييد المدنيين وحماية البنية التحتية الأساسية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون أي عوائق.
وعلى الصعيد الميداني، أوضحت الوكالة الأممية أنها تواصل مراقبة التطورات المتسارعة عن كثب، وتعمل على تقييم الاحتياجات ذات الأولوية القصوى للعائلات المتضررة والنازحة فور توفر المزيد من البيانات الميدانية، لضمان صياغة خطة استجابة إنسانية متكاملة تسهم في تخفيف حدة المعاناة الراهنة.
وترى أوساط إعلامية صومالية أن تزامن هذه الاشتباكات مع تصاعد حدة التوترات السياسية المحلية يلقي بظلال ثقيلة على ملف الأمن القومي، ويؤكد على ضرورة تغليب لغة الحوار لإنها النزاع المسلح الذي يهدد بتقويض جهود الاستقرار الطويلة التي بذلتها المؤسسات الرسمية بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
ودعت المنظمات الإنسانية المحلية المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى سرعة التدخل وتوفير الدعم المالي واللوجستي اللازم لتمكين فرق الإغاثة من تقديم المساعدات الطارئة للنازحين الجدد في مراكز الإيواء المؤقتة، محذرة من إمكانية تحول هذه الموجة الطارئة إلى أزمة إنسانية ممتدة يصعب احتواؤها لاحقاً.
تضع هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في مقديشو المشهد الصومالي بأسره أمام منعطف سياسي وأمني بالغ الحرج، كونه يعيد إلى الأذهان المربع الأول من النزاعات المسلحة الدامية التي استنزفت مقدرات البلاد لعقود طويلة. إن نزوح أكثر من اثني عشر ألف عائلة في غضون أيام قليلة لا يمثل مجرد رقم إحصائي في تقارير المنظمات الدولية، بل هو مأساة إنسانية حية تعكس حجم المعاناة التي يتكبدها المواطن الصومالي الذي يدفع ثمن التجاذبات السياسية من أمنه واستقراره وقوت يومه. وتثبت التجربة التاريخية في القرن الأفريقي أن الحلول العسكرية داخل المدن المكتظة بالسكان لا تخلف سوى الخراب وتدمير البنى التحتية الهشة، الأمر الذي يستوجب تجميد الخلافات الفصائلية فوراً، والانتقال نحو طاولة حوار وطني شامل يصون دماء الأبرياء، ويحمي المكتسبات السياسية، ويؤسس لبناء دولة مرنة قادرة على مواجهة مهددات الاستقرار الداخلي والاعتماد على ركائز القانون والمؤسسات.
المرصد الصومالي للشؤون الإنسانية صوت الواقع.. وعين الحقيقة الإنسانية في الصومال