الثلاثاء , 20 أكتوبر 2020

اللجوء قضية القرن 21

مع قدم مسألة اللجوء الضاربة في عمق التاريخ البشري، حيث يغادر الإنسان موطنه الأصلي الذي ولد ونشأ فيه إلى مكان آخر بحثا عن حياة أفضل أمنا ومعيشة. ومع تزايد النمو البشري وتكون الحدود الجغرافية للدول، وصدور قوانين الجنسية والهجرة التي تحدد لكل إنسان النطاق الجغرافي الذي يحق له التجوال بداخله بحرية تامة، بصفة مواطنته وإنتمائه لتلك الدولة محددة المعالم المتعارف عليها، إلى أن تم التوثيق بصورة أكثر، فتحولت الحدود العرفية للدول إلى حدود معتمدة باعتراف دولي موثق مع نشأة الأمم المتحدة التي تشكل لها أول تكوين أممي عام 1919 تحت مسمى عصبة الأمم المتحدة، ثم أخذت مسمى الأمم المتحدة عام 1945 التي تحوي الأرشيف العالمي لحدود الدول على خارطة الكرة الأرضية.

ومن هنا أصبح مصطلح اللجوء أكثر تعريفا ودقة، حين كان أمره يختلط مع مصطلح الهجرة ومصطلح النزوح . ومشروعية الهجرة وردت في القرآن الكريم لأسباب إنسانية عديدة, يقول الحق سبحانه وتعلى “إإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا “ النساء 97 ،  وفي حالة إنسانية أخرى قال الحق سبحانه “يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن, ألله أعلم بإيمانهن …. الآية “، ويقول الله سبحانه مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له المعاملة الإنسانية لمن أتى إليه فارا من وضع يهدد حياته “وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ” التوبة آية 6.

ومن سياق تلك الآيات الكريمة يفهم بأن الهجرة والتي تحول جزء منها الآن إلى مصطلح اللجوء والذي يضطر الإنسان إليه لأسباب قهرية، بأن له ضوابط على المستقبل للاجيء أن يتأكد منها ليمنحه حق اللجوء، ومن أهمها معرفة الدوافع الحقيقية لطالب اللجوء، إن كان فارا بنفسه طلبا للأمان والمعيشة الأفضل، أو قد يكون مجندا لأهداف اخرى تهدد أمن وإستقرار المكان الذي لجأ إليه، وهذا ما عرف لاحقا بقوانين اللجوء وصدرت به إتفاقيات دولية صادقت عليها غالبية الدول الأعضاء المتعاقدة في الأمم المتحدة .

وعودا على ذي بدء عن أقدمية ظاهرة اللجوء، فقد ذكر السيد ميشال ربوبورت في كتابه ” “les Réfugiés. Parias ou citoyens”” 1998 بأن أول اللاجئين في التاريخ البشري هم أولاد أرض كنعان الذين دفعت بهم المجاعة للجوء إلى أرض مصر,ومع تكرر الحروب والنزاعات المسلحة وما أفرزته من مآسي إنسانية تسببت في فرار العديد من الناس إلى خارج أوطانهم بحثا عن الحياة الآمنة، ولعله من نافلة القول بأن من أشد الحروب في العصر الحديث التي دفعت بملايين البشر إلى الفرار من أوطانهم هما الحربين العالميتين الأولى 1914 , والثانية 1945’ واللتان أعقبها الإحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين عام 1948 .

تلك الحروب الطاحنة أفضت إلى معاناة إنسانية كبيرة على رقعة واسعة من الكرة الأرضية، مما حدا بالدول إلى البحث عن حلول للحد من ظاهرة اللجوء، فأصدار تشريعات وقوانين لحماية اللاجيء وحفظ حقوقة، كان ذلك عام 1948 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث تم الإعلان عن اليوم العالمي لحقوق اللاجيء، وكان من بين بنوده ”منح حق اللجوء ”، ثم أعقبتها معاهدة جنيف التي فصلت مقتضيات حق اللجوء وحيثياته، وقد دخلت تلك المعاهدة حيز التنفيذ عام 1954. كما صدر عن جامعة الدول العربية عام 1992 إعلان القاهرة حول حماية اللاجئين والنازحين في العالم العربي، وتم إعداد الإتفاقية العربية لتنظيم أوضاع اللاجئين في الدول العربية.وقد تم تعريف اللاجيء بأنه (هو الذي أضطر إلى ترك بلده الأم إلى بلد آخر بحثا عن الحياة الامنة ”. ومسببات اللجوء متعددة، ويأتي على رأس قائمتها الحروب والنزاعات المسلحة، ثم ظاهرة التصحر والجفاف، فالتدهور الإقتصادي للوطن الأصلي للاجيء وما ينتج عنه من بطالة تجبر المواطنين على الفرار.

وقد أبرز مشروع التقرير المرحلي للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين بأنه حتى منتصف العام المنصرم 2019 بلغ عدد اللاجئين قرابة 80 مليون لاجيء، من بينهم 22 مليون تحت مسؤولية المفوضية من بينهم 17.5 طفل، وهم الذين تم تسجليهم وإستكمال البيانات الرسمية الخاصة بهم، وهناك أعداد لايزالون تحت إجراءات إستكمال المعلومات الخاصة بهم ليدخلوا بعدها تحت إشراف المفوضية، وهناك لاجئون مختفون دخلوا إلى بلدان عدة متسللين، وبالتالي فإن عدد اللاجئين الفعلي قد يقارب 100 مليون لاجيء، أخذا في الاعتبار بأن الفلسطينيين الذين فروا من أرضهم نتيجة الاحتلال الإسرائيلي هم تحت إشراف منظمة الأنروا .

وبإلقاء نظرة سريعة على خارطة الوطن العربي مع مطلع الإلفية الجديدة نلحظ – مع الأسف – تزايدا في أعداد اللاجئين الفارين من بعض دول الإقليم لتصاعد العنف والنزاعات المسلحة كمسبب رئيس لتدفق اللاجئين من بعض دوله إلى بعض دوله وإلى دول في أقاليم أخرى، وعدد اللاجئين من منطقة الشرق الأوسط يشكلون النسبة الأكبر من بين العدد الذي تشرف عليه المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، والتي ورد في تقريرها المنوه عنه بأن سوريا أصبحت البلد الأكثر تصديرا للاجئين .

وإن الآثار المترتبة على اللجوء ليس المتضرر منها اللاجيء فقط والذي هو بلاشك من يقع عليه الضرر المباشر، فالطفل محروم من التعليم ويشب ويترعرع لا يتوفر له إلا نزر يسير من التعلم، والبالغ يبقى عرضة للجوع والمرض، وفقدان الأمل، لكن مشكلة اللجوء تبقى مشكلة مركبة، فالبلد المصدر للاجئين علاوة على مسببات اللجوء فيه من حرب أو قحط أو غيرها فهو يفقد طاقات بشرية هي أساس في بنائه وتنميته، والبلد المستقبل للاجئين، يتحمل أعبائهم لمعظم متطلبات الحياة المعيشية، فاللاجئون إليه ينافسوا مواطنيه على الموارد العامة للوطن، ومن أهمها الماء والغذاء والطاقة، علاوة على ما قد يسببه اللجوء – خاصة بأعداد كبيرة – إلى مشاكل أمنية تهدد المجتمع المحلي، وتشغل أجهزة الدولة عن مهامها الأساسية، وقد يكون اللاجئون سببا في نقل وتفشي أمراض في البلد المضيف.

من هنا يجوز لنا القول بأن اللجوء مشكلة أممية تهدد الإستقرار العالمي، مما يوجب على الدول أن تقف وقفة تأمل في مراجعة أسباب اللجوء والسعي الجاد للحد منها، ومساندة المنظمات والهيئات الإنسانية المعنية برعاية اللاجئين. ولعل العالم اليوم وهو يواجه جائحة كورونا يدرك أكثر خطورة اللجوء حيث تتواجد مئات الآلاف من اللاجئين في مخيمات تفتقر إلى أقل من الحد الأدنى لمتطلبات الحياة المعيشية الأساسية، نقص في الغذاء ونقص في الدواء، والماء والمسكن الصحي، مما يجعلهم عرضة لإنتشار فايرس كورونا، وجعل المجتمع الدولي في حيرة من أمره، وقد لا يقف الأمر عند ظهور فايرس كورونا، فقد يتعرض العالم إلى أوبئة أشد وأخطر تفتك به بين عشية وضحاها.

وإننا ونحن مع بداية عقد جديد وصولا بإذن الله إلى الرؤية الأممية 2030 التي حددتها الأمم المتحدة وحثت الدول على الأخذ بها لرسم إستراتيجيات وطنية تحقق العيش الكريم والآمن للبشرية. نتأمل من المجتمع الدولي أوطانا ومؤسسات دولية العمل الجاد لوقف العنف المسبب الأول للجوء، وإحترام القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بتنفيذها، ونشر السلام  والتحول بشكل كامل إلى تحقيق التنمية الشاملة.

…………………………………

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع مجلة معكم الإنسانية

عن د. عبدالله الهزاع

د. عبدالله الهزاع يعمل مستشارا للأمين العام للمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *