السبت , 8 أغسطس 2020

لماذا تتكرر الفيضانات في الصومال؟

في ليلة 4 رمضان 1441 هجرية الموافق 27 أبريل 2020 ميلادية، أغرقت السيول مدينة قرطو الصومالية، ودخلت بيوت المدينة، وملأت الوديان، وقطعت الطرق، وفتحت المخازن المغلقة، وأتلفت ما فيها من الأمتعة، ومات على إثرها العديد من الأشخاص، وفٌقِد الكثيرون.

أثرت هذه الكارثة المؤلمة على المدينة بشكل كبير، وأضرت باقتصادها المتواضع، ولم يتضح بعد حجم الكارثة الفعلي، ولا معالم الأزمة الناجمة عنها، لانقطاع الكهرباء عن المدينة منذ أمس، وضعف الأنظمة الصحية والإدارية في المدينة، ولكن المؤكد أن آثارها ستمتد لفترة طويلة.

تذكرنا هذه الكارثة بكارثة بلدوين المتكررة بسبب الأمطار الموسمية التي تؤدي إلى فيضان نهر شبيلي على المدينة، وإغراقها كليا أو جزئيا –حسب المياه المتدفقة– وإتلاف مقوّمات المعيشة التي يعتمد عليها الناس، وإزهاق أرواح الكثيرين.

وتقودنا هذه الحوادث للتساؤلات التالية: لماذا تتكرر الفيضانات في الصومال؟ وما هي الفرص المستقبلية للحدّ من تأثير الفيضانات في الصومال؟ وما هي التجارب الإقليمية أو الدولية التي يمكننا الاستفادة منها؟

وسنحاول الإجابة عنها بشكل مختصر رغم حاجة الموضوع إلى بحث ودراسة جوانب الأزمة بشكل أعمق، وتقديم الحلول الجذرية.

لماذا تتكرر كارثة الفيضانات في الصومال؟

شهدت الصومال العديد من الفيضانات عبر التاريخ، وتعدّ فيضانات 1961 و1977 و1997 و2006م أحدث الفيضانات الشديدة تاريخيا – حسب برنامج إدارة معلومات المياه والأراضي الصومالية التابع لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة – وأسفرت هذه الفيضانات عن خسائر بشرية وأضرار اقتصادية كبيرة.

وتحدث الفيضانات في الصومال نتيجة للأمطار الغزيرة التي ترفع منسوب المياه في الأنهار والوديان والمنخفضات الأخرى، لتغمر تلك المياه مدن البلاد المتاخمة لها، وتقع معظم المدن الصومالية قرب الوديان والسهول، التي تشكل خطورة عليها وعلى أهلها.

وتمثل الأمطار بالنسبة للصوماليين في المدن والأرياف مصدرا رئيسيا للحياة، ولذلك يعتمدون على الأحواض المائية كالأودية والبِرك التي تمتلئ بمياه الأمطار، فعندما تقلّ الأمطار في بعض الفصول المناخية تحدث المجاعات، وعندما تفيض الأنهار بالماء، أو تمتلئ الأودية، تغرق المدن والقرى بالماء.

ونتيجة لغياب الاستراتيجية الوقائية، والتعامل مع الظروف وفقا للمستجدات، ومعالجة الأزمة بعد وقوعها، تتكرر الفيضانات بشكل سنوي أو شبه سنوي، في المدن المتاخمة للأنهار كبلدوين، أو المدن المجاورة للوديان كقرطو وغيرها، مع الاختلاف في نوع وحجم الفيضانات.

وتستمر الحياة بعد الكارثة، وتتلاشى الجهود في ظل الانشغال بالأزمات الأخرى، حتى تتجدد مرة أخرى، وهكذا تدور الحلول المؤقتة مع الزمن بدلا من الحلول الجذرية التي تؤدي إلى حفظ الأرواح والممتلكات.

ما هي الفرص المستقبلية للحدّ من تأثير الفيضانات في الصومال؟

تعتبر الفيضانات من أكثر الكوارث الطبيعية تهديدا وتأثيرا على مستوى العالم، ولا تكاد تخلو منها دولة، وتكلف اقتصادات الدول الكثير لاحتوائها أو الحدّ من تأثيرها، ورغم التدابير الوقائية للحدّ من تأثيرها في دول العالم المختلفة إلا أن أثرها لا يزال كبيرا، وضحاياها كثيرون.

وبالنظر إلى واقع الصومال فإن غياب السياسة المستقرة، وهشاشة الاقتصاد الوطني، يجعل من الصعوبة بمكان، إمكانية مواجهة الفيضانات على المدى القريب، ويؤكد ذلك تكرر المجاعات بسبب قلة الأمطار، وغياب السياسة الحكومية لاحتوائها والتقليل من آثارها.

ورغم ذلك فإن المجتمع الصومالي أثبت قدرته على مواجهة الكوارث بالجهود الذاتية، ومساعدة المتضررين من المجاعات والفيضانات والحروب، وذلك يعزز فرص الحدّ من تأثير الفيضانات إذا أمكن توجيه تلك الجهود نحو بناء السدود المائية والخزانات، أو بناء جداول لتصريف المياه إلى البحار والمحيطات.

ما هي التجارب الإقليمية أو الدولية التي يمكننا الاستفادة منها؟

عملت العديد من الدول في العالم على تشييد السدود المائية كإجراء وقائي للحدّ من تأثير الفيضانات، ويعتبر السدّ العالي في مصر نموذجا، تمكنت به مصر من التحكم في تدفق المياه والتخفيف من آثار فيضان النيل، كما أنه استخدم لمكافحة الجفاف كذلك، حيث يخزن السدّ مياه الفيضان للاستفادة منها في موسم الجفاف، وساهم السدّ كذلك في توسعة الأراضي الزراعية واستصلاحها، بالإضافة إلى توليده للكهرباء في مصر.

خزان أسوان في مصر كذلك، يعتبر حاجزا لمياه النيل أثناء الفيضان، كما أنه يستخدم لتوليد الكهرباء أيضا، وهو أقدم من السدّ العالي.

وسد النهضة الإثيوبي – الذي يجري بناؤه حاليا، وأحدث شرخا في العلاقات الإثيوبية المصرية – سيحمي الإثيوبيين والسودانيين من مخاطر فيضان نهر النيل الأزرق – حسب تقارير – بالإضافة إلى استخداماته الأخرى.

وقد أنجزت العديد من الدول الأوروبية والأمريكية والآسيوية سدودا وتحويلات مائية خففت من تأثير الفيضانات، بالإضافة إلى العديد من إجراءات الوقاية الأخرى.

وأخيرا

تعدّ الفيضانات كارثة طبيعية تهدد حياة الآلاف من الصوماليين سنويا، وتكلف الاقتصاد الوطني كثيرا، بالإضافة إلى المجاعة التي تحصد أرواح عشرات الآلاف من البشر، وملايين الحيوانات، وبذلك تعدّ الفيضانات والمجاعات أخطر تأثيرا من الحروب في بعض الأحيان.

وينبغي للجهات الحكومية والمجتمع المدني التوجه نحو تحويل مجاري الفيضانات إلى البحر لتكلفتها المنخفضة مقارنة بالسدود المائية، أو بناء السدود لمعالجة الفيضانات والمجاعات على حد سواء.

……………………………….

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع مركز الكتاب للبحوث والدراسات

عن إبراهيم عبدالقادر محمد

إبراهيم عبدالقادر محمد باحث صومالي مهتم بشؤون القرن الإفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *