الثلاثاء , 25 فبراير 2020

الثروة الحيوانية في الصومال

يتمتع الصومال بثروة حيوانية كبيرة أهلته لأن يحتل المرتبة الأولى عالميا من حيث تعداد الإبل، كما بلغ عدد رؤوس الإبل والغنم والبقر التي يمتلكها إلى 45 مليون رأس وكان ذلك وفق إحصائيات رسمية للحكومة الصومالية عام 1986. لذلك كان الصومال في مثل هذه الأيام المباركة التي تشهد وفادة الحجيج على بيت الله الحرام، بمثابة إحدى موارد الغذاء المهمة لضيوف الرحمن حيث كانت المملكة العربية السعودية تعتمد بشكل أساسي على توفير لحوم الأضاحي من الصومال.

ويعد قطاع الثروة الحيوانية في الصومال من أهم القطاعات الإقتصادية في البلاد حيث يعمل فيها ما يقرب من 70% من السكان سواء في تربيتها أو التجارة فيها وفي منتجاتها. كما يعتمد الإقتصاد الصومالي على تصدير الثروة الحيوانية للخارج وهو ما يوفر له 80% من العملة الصعبة، لذلك فإن أي قرارات مفاجئة بحظر الماشية الصومالية أو رفض شحناتها وإعادتها للصومال يتسبب في خسائر مادية كبيرة ويكبد الصوماليين ما لا يطيقون، خاصة في ظل صعوبة الظروف الإقتصادية التي يمرون بها بسبب الصراعات السياسية والتهديدات الأمنية إضافة إلى الجفاف الذي لا يكاد يختفي حتى يعود من جديد ليضرب مساحات كبيرة من الصومال ويعصف بالأرواح ويقضي على الأخضر واليابس.

يأتي السوق السعودي والأسواق الخليجية على قمة قائمة الدول التي تحرص على استيراد الأغنام والمواشي الصومالية، ويعتبر موسم الحج من أهم المواسم الإقتصادية للصوماليين في هذا الشأن حيث يصل حجم الإستيراد السعودي خلال تلك المواسم وغيرها على مدار السنة إلى ما يقرب من خمسة ملايين رأس. يضاف إليها السوق المصرية التي فتحت أبوابها مؤخرا لشحنات الحيوانات الصومالية الحية لتغطية العجز المحلي في إنتاج اللحوم، ووصلت أول باخرة من مقديشو تحمل رؤوسا حية بوزن 1301 طن، وذلك بموجب اتفاقية تجارية بين البلدين تنص على فتح الأسواق الصومالية لصادرات مصرية مقابل استيراد اللحوم الصومالية إضافة إلى الجمال والماعز والأبقار الصومالية الحية. وفي هذا الشأن كشف مسؤولون صوماليون عن وجود بروتوكول مع مصر لتصدير خمسة آلاف رأس شهريا من الجمال والعجول والماشية إلى مصر وهو ما يفتح الباب للمنتجين الصوماليين وكذلك التجار لمزيد من الأسواق التي تسهم في زيادة حجم الطلب على الثروة الحيوانية الصومالية التي كانت تتمتع بسمعة ممتازة قبل فترات الحرب والجفاف.

على الرغم من هذه الآفاق المفتوحة أمام تصدير الحيوانات الصومالية والآمال المعقودة عليها لزيادة نمو الإقتصاد الصومالي وتحسين مستويات المعيشية، تبدو هناك عراقيل عديدة تهدد بوأد هذه الآمال. ويبدو ذلك جليا مع تكرار فرض الحظر على استيراد الماشية والحيوانات الصومالية خاصة في فترات ما قبل الحج، ما يعرض الصومال لأزمة اقتصادية كبيرة بحرمانها من الإستفادة من أهم المواسم الرائجة على مدار العام وهو موسم عيد الأضحى.

لقد شهدت الفترات الأخيرة عدة قرارات سعودية خاصة بفرض مثل هذا الحظر أو تعليق التصدير لأسباب صحية وبيطرية إلا أنها سرعان ما كانت تزول وتتيح المجال لاستئناف أوضاع ما قبل الحظر. في عام 2016 علقت المملكة العربية السعودية تصدير المواشي الصومالية ثم ألغت القرار بعد فترة، وهو ما تكرر فيما بعد. وفي عام 2018 أعلنت السعودية رفع الحظر على الماشية الصومالية وذلك في شهر يوليو، إلا أنها عادت ورفضت شحنة صومالية في شهر أغسطس من نفس العام حيث أعاد مسؤولون في وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية باخرة وصلت لميناء جدة كانت محملة ب 27 ألف رأس من الغنم الصومالي، وذلك بعد الكشف عن وجود عينات إيجابية من الأغنام المفحوصة في تلك الشحنة لمرض حمى الوادي المتصدع.

ويأمل الصوماليون أن يعوضوا خسارتهم في موسم الحج الماضي ويحققوا موسما رائجا هذا العام مع إعلان وزارة الثروة الحيوانية والغابات والمراعي في الحكومة الصومالية أن المملكة العربية السعودية رفعت الحظر الذي كانت قد فرضته على الماشية الصومالية.

وعلى الرغم من إثارة البعض لعلامات استفهام حول سبب تكرار فرض الحظر السعودي وإلغائه على الثروة الحيوانية الصومالية، إلا أن ذلك يجب أن يكون مؤشرا يدفع المسؤولين الصوماليين المعنيين بالثروة الحيوانية بضرورة الإهتمام بها وتقديم الرعاية الصحية والحماية الطبية التي تكفل الحيلولة دون الإصابة بأي من الأمراض البيطرية الخطيرة. كما يجب على الهيئات الصومالية العمل على فتح أسواق عديدة وعدم الإقتصار على جهة بعينها حتى تقي الإقتصاد الصومالي صدمة عدم وجود مرونة في التعامل مع الطوارئ ببدائل أخرى متاحة. وفي هذا الإطار وضع الصومال خطة استراتيجية طويلة المدى على مدار عشر سنوات حتى عام 2030 للنهوض بالثروة الحيوانية بدعم من البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. ولا يعفي ذلك الدور المنوطة به حكومات الدول المستوردة للحوم الصومالية في تقديم الرعاية البيطرية الضرورية للحيوانات الصومالية في منشأها وتحصينها ضد الأمراض لضمان سلامتها من أية أمراض وبائية، وهو دور يأتي ملازما لأهمية الإستثمار العربي في الثروة الحيوانية الصومالية باعتبارها من أهم الموارد التي يمكن أن تحل مشكلة الغذاء المزمنة في كثير من دول العالم العربي التي تستورد اللحوم من أماكن بعيدة في أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية بينما يمكن الإستفادة من التقارب الجغرافي في التحول للمنافذ الصومالية وهو ما يقدم فوائد كبيرة للإقتصاد الصومالي في نفس الوقت بحكم أنه يعتمد بصفة أساسية على قطاع الثروة الحيوانية.

تبقى مشكلتان خطيرتان أولهما مشكلة الجفاف التي تضرب البلاد من وقت لآخر وتهدد بمزيد من الكوارث الإنسانية لما تخلفه من مجاعات ونقص شديد في الغذاء والمياه، وهي مسألة تتطلب تضافر الجهود الدولية لتقديم المساعدات العلمية الحاسمة لمواجهة هذه الظاهرة وعدم التوقف عند تقديم مساعدات إنسانية عاجلة لاتتجاوز كونها مسكنات للأزمة ولا تقدم حلولا قطعية للقضاء عليها. وعندما تتم مواجهة ظاهرة الجفاف بالطرق الحديثة في مجال الري والزراعة سيتم توفير المراعي اللازمة لتربية الحيوانات وزيادة إنتاجها.

أما المشكلة الثانية فهي تبدو معقدة لارتباطها بالتهديدات الأمنية والصراعات الداخلية بين مختلف القوى السياسية والتي تتطور في بعض الأحيان لمستوى خطير يدفع بالمستثمرين للهروب وعدم التفكير في الدخول بأية استثمارات في الصومال ومن ثم فإن السعي نحو إحلال السلام والتكاتف لمواجهة خطر الجماعات المتشددة والقضاء عليها يسهم في توفير مناخ أفضل للتفرغ للإنتاج والتنمية.

……………………………………..

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع “الصومال الجديد”

عن صفاء عزب

كاتبة صحافية مصرية تعيش في القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *